تعليق على قرار محكمة النقض في مادة حوادث الشغل

تعليق على قرار محكمة النقضعدد 630   الصادر بتاريخ 11/04/2013 ملف اجتماعي عدد 856/15/1/2013 

امبارك جانوي

قاض بالمحكمة الابتدائية بفاس

ينص الفصل 83 من ظهير 06/02/1963 المتعلق بتعويض المصابين بحوادث الشغل والأمراض المهنية على أن المصاب بعجز دائم عن العمل يستحق تعويض يحتسب بإعمال عنصري الأجرة السنوية كما حددها الباب الثالث من الجزء الرابع من الظهير ونسبة العجز التي حددها الطبيب. وبالرجوع إلى الفصل 120 من نفس الظهير نجده ينص على أنه: يفهم من الأجرة المتخذة أساسا لتحديد الإيرادات فيما يخص العامل المشتغل في المؤسسة خلال اثني عشر شهرا السابقة لوقوع الحادثة، المرتب الفعلي الإجمالي المنفذ له خلال اثني عشر شهرا في الصنف الذي رتب فيه حين وقوع الحادثة. أي أن هذا التعويض يحتسب على أساس المرتب الفعلي الذي تقاضاه الأجير خلال السنة السابقة للحادثة.

وقد حاول المشرع في الفصول الموالية للفصل 120 التخفيف من حدة هذا الفصل وحدد قواعد لاحتساب الأجرة السنوية للمصاب والتي على أساسها سيتم احتساب التعويض عن العجز الجزئي الدائم وباقي التعويضات حيث نص مثلا في الفصل 122 و125 على أن الأجرة السنوية لا يمكن أن تقل عن أجرة ثلاثمائة يوم العمل إذا كان الشغل غير متواصل أو إذا كانت مدة الشغل تقل عن ثلاثمائة يوم، وأضاف في الفصل 123 أنه يفهم من الأجرة المرتب الذي تقاضاه الأجير أو الذي كان سيتقاضاه عن باقي المدة اللازمة لإتمام اثني عشر شهرا بالنسبة للعملة الذي اشتغلوا لدى المشغل منذ أقل من سنة، كما أضاف في الفصل 128 على أن الأجرة السنوية المعتبرة هي الأجرة لعدد الساعات العادية في حالة إذا ما طرأ فتور عرضي في النشاط الاقتصادي للمؤسسة ...

ورغم مجهودات المشرع في التلطيف من حدة الفصل 120 وذلك لضمان تعويض ملائم للضرر الذي تعرض له الضحية وتفادي أن يتحول التعويض إلى مجرد صدقة على حد تعبير بعض الفقه، فإن محاكم المملكة تباينت توجهاتها بخصوص الحالة التي لا يدلي فيها المؤاجر أو الضحية بلائحة الأجور لسنة قبل الحادثة ويكتفي هذا الأخير بالتصريح بمبلغ الأجرة التي يتقاضاها خلال جلسة البحث، فمن جهة ذهبت بعض المحاكم إلى اعتماد الحد الأدنى للأجر متشبثة بمقتضيات الفصل 120 من الظهير والفصل 399 من ظهير الالتزامات والعقود، بينما بعض المحاكم اعتمدت تصريح الأجير وأخذت به في احتساب التعويض.

مما زاد من هذا الإشكال قرارات محكمة النقض التي بدورها لم تثبت على موقف موحد بخصوص هذه النقطة، إلى أن صدر القرار موضوع التعليق. وتتلخص وقائع هذا القرار في كون الضحية تعرضت لحادثة شغل وقامت بدعوى للحصول على التعويضات المستحقة لها بمقتضى ظهير 06/02/1963، وبعد إتمام الإجراءات المسطرية حكمت لها المحكمة الابتدائية بالرباط بالتعويضات المستحقة لها معتمدة في ذلك الأجرة التي صرحت بها خلال جلسة البحث، وقامت شركة التأمين والمشغلة باستئناف هذا الحكم معيبة على الحكم الابتدائي اعتماد الأجرة المصرح بها من طرف الضحية دون إثباتها، فأصدرت محكمة الاستئناف بعد انتهاء المسطرة قرارها مؤيدة الحكم الابتدائي ومعدلة له بتخفيض الإيراد المحكوم به معتمدة في ذلك على الحد الأدنى للأجر، فقامت الضحية بالطعن فيه بالنقض فصدر القرار موضوع التعليق.

 فكيف تعامل الاجتهاد القضائي المغربي مع هذا الإشكال؟ وما هو الجديد الذي جاء به القرار وما هي الأسس القانونية التي استند عليها؟                             

    I.            تناقض توجهات محاكم الموضوع بخصوص الأجرة المعتمدة في احتساب التعويضات حالة عدم الإدلاء بلائحة الأجور.

اختلفت توجهات المحاكم بخصوص هذه النقطة حد التعارض كما أن (محكمة النقض)، المجلس الأعلى سابقا، تدبدب بدوره بين هذين التوجهين دون أن يتمكن من حسم الخلاف نهائيا فتارة يقضى بضرورة اعتماد الحد الأدنى للأجر وتارة أخرى يؤيد القرارات الآخذة بتصريح الضحية.

                          •التوجه المعتمد على الحد الأدنى للأجر وتعليلاته.

ذهبت بعض محاكم المملكة فيما يخص احتساب التعويضات الواجبة للمصاب بحادثة شغل أو مرض مهني، حالة عدم إدلاء المصاب أو المؤاجر أو حتى شركة التأمين بلائحة أجوره لسنة قبل الحادثة، إلى اعتماد الحد الأدنى للأجر معتمدة في ذلك على القواعد العامة في الإثبات خاصة الفصل 399 من ظهير الالتزامات والعقود الذي يجعل عبء إثبات الالتزام على مدعيه، وبالتالي فإن الأجير بكونه يدعي أنه يتقاضى أجرة تزيد عن الحد الأدنى للأجر عليه إثبات ذلك، كما يضيف أصحاب هذا التوجه على أنه لا يمكن أخذ تصريح الضحية على علته ما دام قادرا على التصريح بأي مبلغ شاء حتى ولو كان تجاوز المنطق فما الذي يمنع مثلا أجير مياوم من التصريح بأن أجرته الشهرية هي 15.000،00 درهم أو أكثر من ذلك وهل ستأخذ المحكمة بمثل هذه التصريحات المجردة والتي قد يكذبها حتى منطق الأشياء؟

ومن بين محاكم الموضوع التي تأخذ بهذا التوجه المحكمة الابتدائية بفاس، المحكمة الابتدائية باكادير، والمحكمة الابتدائية بمكناس كما ساير المجلس الأعلى سابقا هذا التوجه في بعض من قراراته نستدل عليها بالقرار عدد 995 بتاريخ 06/12/1982، ملف اجتماعي عدد 92900 والذي جاء فيه:" إذا لم تقدم لائحة أجور العامل، أخذت المحكمة الابتدائية بالحد الأدنى للأجور."

وما يعاب على هذا التوجه بالإضافة إلى كونه مجحف في حق الضحايا باعتماده الحد الأدنى للأجر بدل أجرتهم الحقيقية التي لم يتمكنوا من إثباتها، هو اعتماده على القواعد العامة التي وضعها ظهير الالتزامات والعقود خاصة الفصل 399 المشار إليه سابقا، وتجاهل القواعد الخاصة بإثبات الأجر خاصة مقتضيات الفصلين 10 و11 من ظهير 24/01/1953 المعدل بالظهير 31/01/1961 المتعلق بحساب الأجور ودفعها للمستخدمين والتي عوضتها مقتضيات القسم الخامس من مدونة الشغل خاصة المادة 370 منها التي تلزم المشغل بتسليم الأجير ورقة الأداء متضمنة لكافة البيانات التي تحددها السلطة الحكومية وكذا المادتين 371 و373 اللتين تلزمان المؤاجر بمسك دفتر الأجور والاحتفاظ به لمدة سنتين على الأقل.

كما أن القول بكون أن المحكمة لا يمكن أن تأخذ بتصريح الضحية المجرد لا يستقيم ما دام أن في الدعوى طرفين ويمكن للطرف الآخر والذي هو المؤاجر أو شركة التأمين تكذيب تصريح الأجير بالإدلاء بما يفيد عكس ما صرح به ما دام المؤاجر بدوره وباعتباره مشغلا قادرا على الإدلاء بدفتر الأجور ونفس الشيء ينطبق على شركة التأمين المرتبطة مع المشغل بعقد تأمين على حوادث الشغل والذي قبل توقيعه المفروض قانونا أنها توصلت من المؤاجر بكافة العناصر التي مكنتها من تحديد الخطر المؤمن عليه وتحديد قسط التأمين الواجب أدائه مقابل خدمة التأمين ومن بين هذه العناصر بالضرورة لائحة الأجراء وأجورهم.

                          • التوجه الأخذ بتصريح الضحية المجرد

في مقابل التوجه الأول ذهبت بعض المحاكم الأخرى إلى الأخذ بتصريح الأجير الذي يدلي به بجلسة البحث وتعتمد عليه في احتساب التعويضات الواجبة له معللة قضائها بكون المؤاجر الملزم قانونا بمسك دفتر الأجور لم يدل بلائحة أجور الضحية ولم ينازع في الأجر الذي صرح به الضحية وهذا دليل على صحة هذا التصريح مما يستوجب اعتباره.

نستدل لبعض المحاكم التي تتبنى هذا التوجه بالمحكمة الابتدائية بسلا، الرباط والدار البيضاء، وقد ساير المجلس الأعلى سابقا هذا التوجه كذلك في بعض من قراراته من بينها القرار الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 10 فبراير 1986 تحت عدد 30 ملف عدد 6045/84 جاء فيه :" لكن حيث إنه بمقتضى الفصلين 116 و117 وما يليه من ظهير 6 فبراير 1963 المتعلق بحوادث الشغل فإن الايرادات الواجب منحها للمصابين أو ذوي حقوقهم تقدر على أساس أجرة المصاب السنوية، هذه الأخيرة تخضع للزيادة والتخفيض حسب القرار الوزاري لسنة 1977 وما دام المشغل هو المكلف بمسك دفاتر الأجور وتهيئ بطاقة الأداء لمستخدميه كما يقضي بذلك الفصلان 10 و11 من ظهير 24 يناير 1953 المعدل بظهير 31 يناير 1961 فإنه هو المكلف بالإدلاء بلائحة الأجور السنوية لإثبات الأجر الذي تقاضاه الأجير في السنة السابقة للحادث لأن العامل لا يتوفر على ما يثبت به الأجر السنوي ولا تدفع له لائحة الأجور ومن ثم فإن محكمة الاستئناف عندما اعتمدت على ما صرح به ورثة الضحية لكون المشغل المكلف بإثبات الأجرة السنوية لم يدل بلائحة الأجور صادفت الصواب ولم تقم بأي خرق لمقتضيات الفصل 399 من قانون الالتزامات والعقود والذي لا مجال لتطبيقه في هذه الحالة وبذلك فالوسيلة غير ذي أساس."

إن الثابت من القرارين المشار إليهما أعلاه أنهما استبعدا صراحة تطبيق المبادئ العامة في إثبات الأجر خاصة الفصل 399 من ظهير الالتزامات والعقود لكونه مخالف للمقتضيات الخاصة التي وضعها تشريع الشغل سواء مدونة الشغل أو القوانين السابقة لها، كما أنه في الإمعان في القرار عدد 1758، بتاريخ 16/10/1989 في الملف عدد 10236/88 نجده أضاف عنصرا آخر ألا وهو عنصر عدم المنازعة في الأجر المصرح به من طرف الأجير، وهذا توجه صحيح يجد سنده في قواعد الإقرار كما وضعها ظهير الالتزامات والعقود إذ ما الذي منع المشغل أو شركة في التأمين في تكذيب تصريح الأجير والمنازعة فيه أوليس هذا السكوت إقرار ضمني من طرف المؤاجر ومؤمنته على صحة تصريح الأجير؟ ومن ثم فلماذا اللجوء إلى الحد الأدنى للأجر ما دام أن هناك ما يفيد أن الأجير يتقاضى أكثر، هذا التصريح لم يتم المنازعة فيه من باقي الأطراف فلماذا تنازع فيه المحكمة لوحدها وتستبعده؟ إننا لن نجد عناء كبيرا في القول بأن التوجه الأخير هو الأقرب إلى الصواب وإلى العدل.

II.            مستجدات القرار عدد 630 المؤرخ في 11/04/2013 ملف اجتماعي عدد 856/5/1/2013، موضوع التعليق

 قرار محكمة النقض موضوع التعليق يجمع بين خاصيتين اثنتين فهو من جهة كرس القاعدة التي وضعتها القرارات السابقة خاصة القرار عدد 1758، بتاريخ 16/10/1989 في الملف عدد 10236/88، كما أنه أتى بقواعد جديدة.

                          • تكريس قاعدة الأخذ بتصريح الأجير غير المنازع فيه:

عللت محكمة النقض قراراها بقولها: " وحيث إنه في النازلة يؤخذ من أوراق الملف ولاسيما بطاقة التعريف الوطنية أن إطارها الإداري بالمؤسسة التي تشتغل فيها هو متصرفة، وهو ما أكده التصريح بالحادثة من طرف المؤسسة المشغلة والذي أقرت فيه بأنها إطار عالي بالمؤسسة، وعلى هذا الأساس صرحت الطاعنة (المصابة) خلال جلسة البحث الذي أجري معها بناء على الفصل 29 من ظهير 6 فبراير 1963 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل أن أجرها الشهري محدد في مبلغ 8000.00 درهم، وبما أن المطلوبة في النقض شركة التأمين إلى جانب المؤسسة المشغلة نازعتا جديا في الأجر الحقيقي الذي كانت الطاعنة تتقاضاه فكان على محكمة الاستئناف بناء على الفصل 334 من ق.م.م المشار إليه أعلاه أن تكلف إما المؤمن أو المشغل بإثبات الأجر الحقيقي للطاعنة والإدلاء بلائحة الأجور السنوية لاسيما وأن المؤسسة المشغلة بحكم مقتضيات مدونة الشغل ملزمة بمسك دفتر الأجور وبتسليم الأجيرة أوراق أداء الأجور بانتظام وبما أنها لم تفعل فإنها قد عللت قرارها تعليلا ناقصا يوازي انعدامه" .

من خلال الحيثية أعلاه يتبين أن محكمة النقض كرست القواعد التي وضعتها من قبل وهي استبعاد القواعد العامة في الإثبات خاصة الفصل 399 من ظهير الالتزامات والعقود إذ نص القرار على ذلك ولو ضمنيا بتأكيده على أن المشغل هو الملزم بإثبات الأجر إذ هو من يقوم بمسك دفتر الأجور وتسليم ورقة الأداء للأجير وهو  نفس التوجه الذي ذهبت إليه القرارات السابقة والتي سبق لنا أن أشرنا إليها، كما أنها احتفظت على معيار المنازعة في التصريح وعللت قرارها بكون شركة التأمين والمشغلة نازعتا جديا في الأجر المصرح به من طرف الأجير وهذا يعني بمفهوم المخالفة أنه عند عدم منازعة شركة التأمين والمشغلة جديا في الأجر المصرح به من طرف الضحية فلا مانع في الأخذ به ولا تكون المحكمة ملزمة باعتماد الحد الأدنى للأجر أو البحث عن الأجر الحقيقي للأجير.

 ويجب هنا التركيز على مصطلح "المنازعة الجدية" والذي يعني منازعة أحد الطرفين سواء كان المشغل أو شركة التأمين في الأجر المصرح به والدفع بكونه لا يمت للحقيقة بصلة وأنه مخالف لما صرح به، ولا يمكن أن يعتبر هنا دفع شركة التأمين باعتماد الحد الأدنى للأجر منازعة في جدية في تصريح الأجير، وفي الممارسة العملية فإن شركة التأمين تكتفي بالدفع باعتماد الحد الأدنى للأجر دون أن تنازع في تصريح الأجير أو تكذب تصريحه.

أخيرا أن القرار استبعد اعتماد الحد الأدنى للأجر لكون الأجير لم يثبت أجره، وهذا هو ما كان معمول به من طرف بعض المحاكم كما سبق الإشارة إلى ذلك، فالقرار أعاب على محكمة الاستئناف اعتماد الحد الأدنى للأجر وألزمها بتكليف سواء المشغل أو شركة التأمين بإثبات الأجر والإدلاء بلائحة الأجور السنوية للضحية.

                          • القواعد الجديدة التي وضعها القرار

جاء قرار محكمة النقض موضوع التعليق بقاعدتين جديدين لم يكن معمول بهما من قبل فمن جهة أرجع الروح إلى الفصل 280 والفصل 344 من قانون المسطرة المدنية الذي يلزم القاضي بأن ينذر بأمر غير قابل لأي طعن أحد الأطراف بالإدلاء بالوثائق التي بحوزته ومن شأنها أن تنير القضية، والمشغل هنا باعتباره ماسك لدفتر الأجور فمن حق المحكمة أن تنذره بأن يدلي لها بلائحة الأجور السنوية للمصاب حتى تتمكن من احتساب التعويضات طبقا لمقتضيات ظهير 06/02/1963.

من جهة أخرى فإن محكمة النقض أتت بقاعدة جديدة ومهمة في هذا القرار ألا وهي إنذار شركة التأمين بالإدلاء بلائحة الأجور السنوية للضحية، وهذه قاعدة جديدة وضعها القرار، حيث جاء في القرار: "فكان على محكمة الاستئناف بناء على الفصل 334 من ق.م.م المشار إليه أعلاه أن تكلف إما المؤمن أو المشغل بإثبات الأجر الحقيقي للطاعنة والإدلاء بلائحة الأجور السنوية"، فإذا كان إنذار المشغل له سنده في التشريع المتعلق بالشغل خاصة مدونة الشغل كما سبقت الإشارة إلى ذلك فإن إنذار شركة التأمين يستوجب بعض التمحيص.

إن إنذار شركة التأمين يجد سببه في كون الممارسة بينت أنه فيما يخص نزاعات حوادث الشغل غالبا ما يكتفي المشغل بالإدلاء بما يفيد تأمينه على حوادث الشغل ويدخل شركة التأمين في الدعوى وينصرف إلى حال سبيله وتبقى شركة التأمين وحدها من يمارس الدعوى ويسهر على سير إجراءاتها، ومن شأن إنذار المحكمة للمشغل الذي لا يحضر جلسات المحكمة أن يطيل أمد النزاع ويؤدي إلى تراكم الملفات وتأخير البت فيها، عكس إنذار شركة التأمين الذي يبقى سهلا لكونها حاضرة في الدعوى لكن ما مدى قانونية هذا التوجه وما هو الأساس القانوني لإنذار شركة التأمين بالإدلاء بلائحة الأجور السنوية للضحية بدلا من المؤاجر؟

إن إنذار شركة التأمين بالإدلاء بلائحة الأجور السنوية بدلا من المشغل يجد سنده القانوني في ظهير 06/02/1963 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل كما يجده سنده أيضا في القانون 17/99 المتعلق بمدونة التأمينات والنصوص المتخذة لتطبيقه.

فبخصوص ظهير 06/02/1963 فإن الفصل 234 منه ينص على أن المؤمن يقوم مقام المشغل في أداء التعويض ولو كان التأمين غير كاف، وما دام المؤمن يقوم مقام المشغل فإنه يواجه بكل الدفوع التي يواجه بها هذا الأخير وبالتالي فلا مانع من إنذاره مقام المشغل بالإدلاء بلائحة الأجور السنوية.

وهذا ما تؤكده أيضا المادة 23 من الشروط النموذجية لعقد التأمين عن حوادث الشغل حيث تنص هذه المادة على أنه: "للمؤمن وحده حق التعامل والتقاضي والتصالح بخصوص الحوادث وفي حالة القيام بدعوى قضائية يتقاضى بنفقته أمام المحكمة المعروضة عليها القضية باسم المؤمن له الذي يمنحه لهذا الغرض تفويضا عاما وبدون تحفظ."

كما أن هذا الإنذار يجب أساسه القانوني كذلك في مدونة التأمينات حيث تنص المادة 20 منها في البند الثاني والثالث أن من بين التزامات المؤمن له:

"2-  بأن يصرح بالضبط عند إبرام العقد بكل الظروف المعروفة لديه والتي من شأنها أن تمكن المؤمن من تقدير الأخطار التي يتحملها،

3-  بأن يوجه إلى المؤمن في الآجال المحددة في العقد، التصريحات التي قد تكون ضرورية للمؤمن من أجل تحديد مبلغ قسط التأمين، إذا كان هذا القسط متغيرا،"

ويستشف من البند الثاني من هذه المادة أن المؤمن له يدلي للمؤمن قبل توقيع عقد التأمين أو أثناء المفاوضات بخصوصه بكافة العناصر التي تمكن المؤمن من تقدير الأخطار التي يتحملها وأيضا من تقدير مبلغ قسط التأمين الواجب أدائه كمقابل للخدمة التي يقدمها، وهذا كله يتم عند إبرام العقد، وبالتالي فإنه بعد إبرام العقد والتوقيع عليه فإن ذلك دليل على أن المؤمن أي شركة التأمين قد توصلت بكافة العناصر التي مكنتها من تحديد الأخطار المؤمنة وكذلك قسط التأمين، ومما لا شك فيه أن من بين هاته العناصر بخصوص التأمين على حوادث الشغل يدخل عدد الأجراء ونشاطهم المهني وكذلك أجرتهم السنوية. وبالتالي فالمفروض قانونا أن شركة التأمين تتوفر على لائحة الأجور السنوية لإجراء المقاولة المؤمنة ومن واجبها لضمان حقوقها أن تدلي بها أو أن تنذر بالإدلاء بها.

وهذا ما تؤكده الشروط النموذجية لعقد التأمين التي تنص الفقرة الأخيرة من المادة 7 التي تنص على أن المؤمن له يضع رهن إشارة المؤمن دفتر الأجور طيلة مدة العقد وسنتين بعد انتهائه. كما تضيف الفقرة 2 من المادة 15 على أن المؤمن له يدلي للمؤمن داخل أجل 20 يوما من انتهاء كل شهر بيانا عن الأجور المؤداة للمستخدمين خلال فترة التأمين.

وحتى على فرض أن عقد التأمين قد يتم لمدة غير محددة ويتجدد ضمنيا فإن البند الثاني من المادة 20 يؤكد على أن المؤمن له يوجه للمؤمن في الآجال المحددة التصريحات الضرورية، وبالتالي فشركة التأمين تتوفر على لوائح الأجور ويجب أن تنذر للإدلاء بها، وإلا كانت مفرطة وتتحمل وحدها مسؤولية تفريطها.

وحتى على فرض كذلك أن المؤمن له أي المشغل لم يصرح بكافة الأجراء أو أدلى بلوائح كاذبة فإن شركة التأمين تتوفر على الوسائل القانونية التي مكنتها منها مدونة التأمينات لتواجه بها كتمان المشغل أو تصريحه الكاذب. نذكر منها خاصة الفقرة الأخيرة من المادة 17 من الشروط النموذجية لعقد التأمين على حوادث الشغل، التي تنص على أنه في حالة عدم الإدلاء بالتصريح بالأجور خلال الأجل المحدد في المادة 15 يمكن للمؤمن أن يوقف الضمان أو أن يفسخ العقد.

فمادام عقد التأمين قائم بين الطرفين والمؤمن لم يسلك لا مسطرة الإيقاف ولا مسطرة الفسخ فذلك دليل على أنه توصل بدفتر الأجور ولا شيء يمنع من إنذاره بالإدلاء به للمحكمة.