تعليق على قرار لمحكمة النقض حول الرسوم الخليفية

تعليق على القرار رقم 617/1

الصادر بتاريخ 09/12/2014 في الملف عدد 2928/1/1/2014

ذ. محمد ناجي شعيب

رئيس غرفة بمحكمة النقض

لما كانت العبرة في تحديد نطاق التعرض على الرسوم الخليفية وفي من لهم الحق فيه هي بالقانون الساري المفعول وقت قيام النزاع، فإن التعرضات المقامة في ظل ظهير 19 شتنبر 1977 تكون مفتوحة على إطلاقها دون حصر لا لنطاق التعرض ولا لمن لهم الحق فيه.

رفض الطلب

باسم جلالة الملك وطبقا للقانون

حيث يستفاد من مستندات الملف، أنه بمقتضى مطلب تحفيظ قيد بالمحافظة العقارية بالناضور بتاريخ 02/02/1978 تحت عدد 5815/11 طلب (م ق ك) تحفيظ الملك المسمى "صبرة" الكائن بقبيلة أولاد ستوت منطقة الضم قسم زايو إقليم الناضور، حددت مساحته في 52 هكتارا و66 آرا و26 سنتيارا باعتباره ملكا له حسب الرسم الخليفي عدد 755، فسجل على المطلب المذكور أربعة تعرضات: الأول جزئي بتاريخ 07/05/1987 (كناش 10 عدد 267) تقدم به محمد (ح ع) و(ت ط) للمطالبة بقطعة من الملك المذكور مساحتها حوالي 14 هكتارا لتملكهما لها حسب رسم الشراء العدلي المؤرخ في 10/11/1949 ورسم الملكية المؤرخ في 11/01/1958 والشراء العرفي المؤرخ في 20/09/1969، والثاني كلي بتاريخ 12/06/1987 (كناش 10 عدد 308) تقدم به (ب ص) ومن معه للمطالبة بكافة الملك أعلاه لتملكهم إياه إرثا حسب رسم الإراثة المؤرخ في 29/04/1984 ورسوم الملكية المؤرخة على التوالي في 29/04/1984 و31/05/1985 و17/10/1985، والثالث جزئي تقدم به (ب ح) ومن معه بتاريخ 01/09/1987 (كناش 10 عدد 354) مطالبا بقطعة مساحتها 3 هكتارات و55 آرا لتملكهم لها بالشراء حسب عقدي الشراء المؤرخين على التوالي في 11/10/1968 و27/07/1977، والرابع جزئي تقدم به (ب أ) (كناش 13 عدد 909) مطالبا بقطعة من الملك المذكور مساحتها 35 هكتارا لتملكه إياها حسب الملكية المؤرخة في 14/11/1950. وبعد إحالة ملف المطلب على المحكمة الابتدائية بالناظور، وإجرائها خبرة بواسطة الخبير محمد (م)، أصدرت حكمها بتاريخ 02/07/2012 في الملف عدد 158/2012 بصحة التعرضات المذكورة في حدود مساحة المتعرضين الواردة في تقرير الخبرة المنجزة على ذمة القضية. فاستأنفه طالب التحفيظ وأيدته محكمة الاستئناف المذكورةبمقتضى قرارها المطعون فيه بالنقض من الطاعنين (ورثة طالب التحفيظ) أعلاه في السبب الفريد بعدم الارتكاز على أساس قانوني أو انعدامالتعليل وخرق مقتضيات الفصل 345 من قانون المسطرة المدنية، والمتخذ في الوجه الأول بكون ما أثاره حول نطاق التعرض الذي كان يجب أن يبقى محصورا في مساحة على جانب الحدود دون بقية الملك إنما هو مقتضى نص عليه مرسوم 24/10/1966 في الفصل 12 منه بالنسبة للرسوم التي مضى على تحريرها من طرف المكلف بالتسجيل (ريخيسطرادور) أكثر من 10 سنوات من تاريخ نشر هذا القانون والتي لا يمكن أن تكون موضوع نزاعات إلا حول حدود العقار، وهو ما ينطبق على الرسم الخليفي في نازلة الحال . والمتخذ في الوجه الثاني بكون المحكمة في ظل المرسوم المذكور لم يكن من صلاحياتها أن تصرح بصحة التعرضات عن طريق تأييد الحكم الابتدائي بل كان عليها أن تعيد الملف إلى المحافظ على الأملاك العقارية ليبت في صحة تلك التعرضات، والمتخذ في الوجه الثالث بعدم مطابقة التعليل للقانون، ذلك أنه أسس طلبه تحفيظ العقار على الرسم الخليفي 755 وقبل ذلك على تسجيله للعقار بالمحافظة العقارية بتاريخ 13/11/1931 وحيازته له إلى تاريخ صدور القرار المطعون فيه، وأن القانون المنظم هو مرسوم 24/10/1966 بالنظر لتاريخ تقديم المطلب 02/02/1978، والقرار المطعون فيه لم يشر إلى المقتضى الذي أسس عليه قضاءه إلا ما ورد من ذكر رد أحد الأطراف بكون مطلبه فتح في ظل أحكام ظهير 1977، إلا أن القرار لم يناقش هذه الأحكام والتي من أهم ما جاء فيها إلزام أصحاب الرسوم الخليفية بتقديمها إلى المحافظة العقارية من أجل تصحيحها واستبدالها برسوم عقارية داخل أجل سنة وإلا اعتبرت مجرد رسوم تأسيسية لحق الملكية، وأنه احترم هذا الأجل مما يجعله مشمولا بمقتضيات هذا الظهير، والمتخذ في الوجه الرابع باكتفائه بتأييد الحكم الابتدائي الذي استند إلى تقرير الخبرة وأغفل جوانب عدة منها الحيازة الثابتة من الحجج التي اعتمدها موروثهم وبإقرار المطلوبين، وقد امتدت لعدة عقود سابقة ولاحقة على حجج المتعرضين، وهي الحيازة التي تدفعهم إلى إثارة مقتضيات قانون 13/06/1988 الذي أقر نفس التصنيف الذي اتبعه مرسوم 1966 حين ميز بين الرسوم الخليفية الخاضعة للتعرض الكلي وتلك الخاضعة للتعرض الجزئي، وذلك حين نص قانون 1988 أن الرسوم الخليفية الصادرة قبل 1956 والتي حاز صاحبها العقار حيازة مستمرة وشرعية لا يمكن أن تكون موضوع تعرض إلا فيما يتعلق بالحدود ومن طرف الجيران فقط.

لكن، ردا على السبب أعلاه بأوجهه الأربعة، فإنه لا مجال للاحتجاج بالفصل 12 من المرسوم الملكي المؤرخ في 24/10/1966 ما دام قد ألغي بموجب الفصل الأول من ظهير 19/09/1977 وهو الظهير الذي فتح إمكانية التعرض على الرسوم الخليفية أمام الجميع سواء تعلق الأمر بجيران العقار موضوع تلك الرسوم أم بغيرهم، وأنه لما كانت العبرة في تحديد المراكز القانونية للأطراف هي بالقانون الساري المفعول وقت قيام النزاع، فإن ظهير 19 شتنبر 1977 المذكور كان هو الواجب التطبيق - بخصوص التعرضات المقامة سنة 1987 - وليس أحكام قانون 13/06/1988 الذي وقع تنفيذه بالظهير الشريف المؤرخ في 09//11/1992 باعتبارها جاءت لاحقة عليها ولا يمكن بالتالي تطبيقها بأثر رجعي، وأنه حتى مع فقدان الرسوم الخليفية لصفتها النهائية عملا بالفصل 7 من ظهير 19/09/1977 فإنها تبقى عقود ملكية رسمية قابلة للنقاش وتفتح مسطرة التحفيظ من جديد، كما أنه لا مجال للتمسك بالحيازة ما دام موروث الطاعنين ملزما طبقا للفصل 498 من قانون الالتزامات والعقود بتسليم المبيع إلى المشتري منه وتمكينه من حيازته، وأن القرار بتأييده للحكم الابتدائي يكون قد تبنى علله التي جاء فيها بأن: "المتعرضين خلف خاص لطالب التحفيظ بعد تسلسل البائعين وقد ثبت انتقال ملكية جزء من العقار موضوع مطلب التحفيظ بناقل شرعي للمتعرضين فضلا على القوة الملزمة للعقد مما كانت معه التعرضات المنصبة على المساحة (المبيعة) مؤسسة"، وهو تعليل غير منتقد، وإنه نتيجة لما ذكر كله كان القرار معللا تعليلا كافيا ومرتكزا على أساس قانوني، والسبب بالتالي غير جدير بالاعتبار.

لهذه الأسباب

قضت المحكمةبرفض الطلب.

الرئيس: السيد محمد بلعياشي - المقرر: السيدمحمد ناجي شعيب - المحامي العام: السيدمحمد فاكر.

التعليق على القرار

القرار موضوع التعليق أعاد إلى الأذهان مدى حجية الرسوم الخليفية أو بصفة عامة الوضعية القانونية للعقارات في ظل ظهير فاتح يونيو 1914 الذي كان ساري المفعول في المنطقة الشمالية للمغرب إبان الحماية الإسبانية وما لحق هذا الظهير من تعديلات بعد الاستقلال إلى الآن، وإنه بإعطاء لمحة تاريخية مقتضبة يتضح بأن ظهير فاتح يونيو 1914 المذكور لم يعط للرسم الخليفي نفس القوة الإثباتية التي أعطاها ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ للرسم العقاري في منطقة الحماية الفرنسية، بحيث ظلت القوة الإثباتية للرسم الخليفي نسبية نظرا لإمكان تعرضه للطعن والإلغاء ما لم يمض على إنشائه أمد تقادم الدعاوى المرتبطة بالحقوق العينية العقارية الذي هو 30 سنة (الفصل 199 من ق.ل.ع الخليفي) وما لم يتم تفويت العقار إلى مالك جديد[1]، إذ وقتها فقط سيتحصن الرسم ويحظى بقوة إثباتية مطلقة ولا يقبل بالتالي أي طعن، وأمام البون الشاسع بين الأوضاع المكتسبة في ظل كل من ظهير 13 غشت 1913 وظهير فاتح يونيو 1914 سعى المشرع المغربي بعد الاستقلال إلى التوحيد بتمديد نظام التحفيظ العقاري المؤسس بظهير 12 غشت 1913 إلى المنطقة الشمالية، فجاء مرسوم 24 أكتوبر 1966 سعيا لتمديد هذا التطبيق بإجراء مسطرة إعادة التحديد ووضع تصاميم عقارية جديدة ومضبوطة للرسوم الخليفية الموجودة وتعويض هذه الأخيرة برسوم جديدة، أما بخصوص حجية هذه الرسوم ميز الفصل 12 من المرسوم المذكور بين نوعين من الرسوم الخليفية: الرسوم التي مضى على تحريرها من طرف المكلف بالتسجيل (رخيسترادور) أكثر من 10 سنوات من تاريخ نشر المرسوم (التي ترجع إلى عهد الحماية)، فإنه لا يمكن أن تكون موضوع نزاعات إلا حول حدود العقار موضوع الرسم الخليفي، أما تلك التي ترجع لأقل من 10 سنوات (أي بعد الاستقلال) فيبقى باب المنازعة بشأنها مفتوحا على مصرعيه أمام كل من يدعي حقا عينيا على العقار موضوع الرسم الخليفي، وفي جميع الأحوال فإن مرسوم 24 أكتوبر 1966 قد أعطى نوعا من الحجية للرسوم الخليفية التي مر على تحريرها أكثر من 10 سنوات على صدوره حين قصر منازعة الغير لصاحب الرسم الخليفي فقط على حدود العقار وبالتالي على الملاك المجاورين دون غيرهم إلا أن المشرع بقي ساكتا حول مقدار هذه الحدود والمعايير المعتمدة في هذا الشأن.

ثم جاء بعدها ظهير 19 شتنبر 1977 فجرد الرسوم الخليفية من كل قوة إثباتية واعتبرها مجرد رسوم تأسيسية لحق الملكية، فألغى الفصول من 2 إلى 25 من المرسوم الملكي لسنة 1966 وأخضع كل العقارات الموضوع لها رسوم عقارية لمسطرة التحفيظ دون أي تمييز بين تلك الراجعة لفترة الحماية أو تلك التي أنشأت بعد الاستقلال وأخضع العقارات الخاصة بها لمسطرة تحفيظ إجبارية، وهو ما أحدث ارتباكا وردود فعلية سلبية لدى الملاكين الذين رأوا فيه مسا بحق الملكية الذي أقرته لهم الرسوم الخليفية، "وفيه خرق للدستور الذي يضمن حق الملكية، وفيه كذلك مس بمبدأ مقدس هو مبدأ عدم رجعية القوانين، ذلك أن ظهير 1977 ألغى حقوقا مكتسبة ثبتت بموجب ظهير آخر صادر عن خليفة السلطان بالمنطقة الشمالية ويحمل خاتم خليفة السلطان الذي كان له التفويض في توقيع الظهائر باسم سلطان المملكة المغربية "[2]. وهو ما جعل الحكومة تتقدم بمشروع قانون سنة 1978 يغير ظهير 1977 سعيا لإيجاد تشريع يستجيب لحاجيات الوضع القائم ويضمن حقوق الفرقاء ويتحاشى مثالب مرسوم 1966 وظهير 1977،وقد توجت المساعي والمجهودات بصدور مشروع قانون 1988 الذي صادق عليه مجلس النواب بتاريخ 13 يونيو 1988 وتم نشره بالجريدة الرسمية عدد 4184 بتاريخ 06/01/1993 ليدخل حيز التنفيذ في هذا التاريخ الأخير، وكان آخر تعديل تشريعي إلى الآن الذي وضعه المشرع لتسوية الوضعية القانونية لما تبقى من الرسوم الخليفية سالكا في ذلك نفس النهج الذي سلكه مشرع مرسوم 1966 في الفصل 12 منه بالتمييز بشان القوة الإثباتية للرسوم الخليفية خلال مسطرة إعادة التحديد بين الرسوم التي تم تحريرها قبل 10 سنوات على مرسوم 1966 والتي لا يمكن أن تكون سوى موضوع تعرض جزئي قاصر على الحدود وبالتالي على مالكي الجوار، وبين الرسوم الخليفية التي مضى على تحريرها أقل من المدة المذكورة والتي يمكن أن تكون موضوع تعرض كلي من أي كان ويمكن أن يتجاوز الحدود ليمس صميم حق الملكية ككل، إلا أن الظهير الجديد حاول تدارك النقائص التي عرفها مرسوم 1966 فبين المقصود بالحدود ولم يتركها على إطلاقها حين نص على قطعة أرضية لا يتجاوز عرضها ما يعادل مليمترا واحدا بمقياس التصميم المحدد للعقار على طول المساحة المتنازع عليها وعلى أن الإمكانية إنما هي مفتوحة أمام جيران المعني بالمسطرة دون سواهم، كما أضاف مسألة جديدة وهي أن تكون الرسوم الخليفية مرفقة برسم استمرار الحيازة الشرعية.

والقرار موضوع التعليق وضع التعرضات على مطلب التحفيظ في إطارها الزمني وطبق عليها القانون الذي كان ساري المفعول وقت تقديمها سنة 1987 والذي هو قانون 19 شتنبر 1977 الذي كان قد ألغى مقتضيات مرسوم 24 أكتوبر 1966 التي كانت تحصر نطاق التعرض على الرسوم الخليفية التي ترجع لعهد الحماية، على المنازعة في الحدود وبالتالي تقصر حق التعرض على جيران المعني بالمسطرة. فاعتبر نطاق التعرض مفتوحا على إطلاقه وأن لا ضير أن ينصب بذلك على كامل الملك موضوع مطلب التحفيظ المستند على رسم خليفي، وعالجه بالتالي في هذا الإطار. 

[1]- د إدريس الفاخوري نظام التحفيظ العقاري وفق مستجدات القانون 07-14 ص 194.

[2]- ذ الحبيب الدقاق مداخلة حول: "نظام التحفيظ العقاري بالمنطقة الخاضعة سابقا للحماية الإسبانية – قراءة في السيرة الذاتية"، في إطار الندوة المشتركة حول نظام التحفيظ العقاري بالمغرب.