جريمة تمويل الإرهاب في القانون المغربي الدكتور محمد مومن أستاذ باحث بكلية الحقوق بجامعة القاضي عياض مقدمة إذا كان الإرهاب هو "كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر" . فإنه لا يمكن الحديث عن الإرهاب دون الحديث عن التمويل، لأن هذا الأخير هو بمثابة الدماء في الجسم بالنسبة للعمليات الإرهابية ، حيث يأتي المال في مقدمة حاجيات التنظيمات الإرهابية، سواء لإعداد عناصرها وتدريبهم، أو توفير الوسائل اللوجستيكية من حيث الإقامة، والملبس والمأكل، والتنقل، أو اقتناء الأسلحة والمتفجرات. وقد عمدت التنظيمات الإرهابية في إطار وعيها بأهمية التمويل في المحافظة على كيانها وضمان استمرارية نشاطها الإجرامي، إلى تنويع مصادر تمويلها ، بالاعتماد على مصادر مشروعة من خلال المشاريع الاقتصادية والاستثمارات التي تقوم بها، بالإضافة إلى الأموال التي تتوصل بها من الجمعيات أو الجهات المساندة لها. ومصادر غير مشروعة، وهي كثيرة ومتنوعة، ومن أهمها الأموال المتحصل عليها من جرائم غسل الأموال، وتجارة المخدرات والأسلحة وتزوير النقود واختطاف الرهائن وطلب الفدية عنهم، والسرقة والسطو المسلح، وغيرها. ونظرا لهذه الأهمية، فقد أولت مختلف الدول اهتماما بظاهرة تمويل الإرهاب، وقامت أغلبها بتجريم الوسائل المعتمدة في تمويل العمليات الإرهابية، وإدماجها ضمن إستراتيجية مكافحة الإرهاب. وانتقل الاهتمام بهذا الجانب إلى المستوى الدولي حيث صدرت الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 دجنبر1999، إلا أن موضوع تمويل الإرهاب ازداد أهمية عقب أحداث 11 شتنبر2001 التي صدر بعدها القرار رقم 1373 عن مجلس الأمن في الجلسة 4385 بتاريخ 28 شتنبر 2001 والذي جاء بمجموعة من الالتزامات ذات الطابع التشريعي والهادفة إلى تجريم ومتابعة جميع أشكال الدعم والتمويل المقدم للإرهابيين . وقد اتخذت دول العالم إجراءات مختلفة لتجفيف منابع الإرهاب في محاولة منها لخنق الظاهرة الإرهابية والحد منها ومحاصرتها، ومن هذه الدول المغرب باعتباره من الدول المتضررة من هذه الظاهرة، حيث صادق على الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب في 23 يوليوز 2002، وأصدر القانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب , بهدف مواجهة هذه الظاهرة وتمكين السلطات العمومية من الآليات القانونية الضرورية للتصدي لها. وهو ما يدعو إلى التساؤل حول مدى كفاية هذه النصوص القانونية للتصدي لجريمة تمويل الإرهاب ؟ وهل نجح المشرع المغربي في وضع الآليات اللازمة لمنع وصول الأموال إلى يد التنظيمات الإرهابية ؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، سنقسم الموضوع إلى فصلين، نتناول في الأول أركان جريمة تمويل الإرهاب ومصادر تمويله، ونتطرق في الفصل الثاني إلى التصدي لجريمة تمويل الإرهاب. الفصل الأول أركان جريمة تمويل الإرهاب ومصادر تمويله إن الجريمة الإرهابية ترتكز بشكل كبير في ميلادها على عنصر التمويل، حيث إن كل عملية يقوم بها فرد واحد، يكون وراءها عدد من المخططين والمعدين الذين يوفرون وسائل التنفيذ، ومصاريف إقامة وتنقل الإرهابيين، ومن هنا تظهر مدى تكلفة هذه العمليات، وتكمن أهمية التمويل الإرهابي. وسندرس في مبحث أول أركان جريمة تمويل الإرهاب، ثم نستعرض أهم مصادر تمويل الإرهاب في المبحث الثاني. المبحث الأول : أركان جريمة تمويل الإرهاب نص الفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي على أنه " يعتبر تمويل الإرهاب فعلا إرهابيا. تكون الأفعال التالية تمويلا للإرهاب، ولو ارتكبت خارج المغرب، وبصرف النظر عما إذا كانت الأموال قد استعملت فعلا أو لم تستعمل: - القيام عمدا وبأي وسيلة كانت، مباشرة أو غير مباشرة، بتوفير أو تقديم أو جمع أو تدبير أموال أو ممتلكات، ولو كانت مشروعة، بنية استخدامها أو مع العلم أنها ستستخدم كليا أو جزئيا: - لارتكاب فعل إرهابي أو أفعال إرهابية سواء وقع الفعل الإرهابي أو لم يقع؛ - أو بواسطة شخص إرهابي؛ - أو بواسطة جماعة أو عصابة أو منظمة إرهابية ؛ - تقديم مساعدة أو مشورة لهذا الغرض؛ - محاولة ارتكاب الأفعال المذكورة"، وهي الشروع في تنفيذ الجريمة بالبدء بأعمال لا لبس فيها تهدف مباشرة إلى ارتكابها إذا لم يوقف تنفيذها، أو لم يحصل الأثر المتوخى منها لظروف خارجة عن إرادة مرتكبها . ويكون هذا الفصل الذي يشكل الركن القانوني لهذه الجريمة باعتباره تمويل الإرهاب فعلا إرهابيا، قد حدد كذلك الركنين المادي والمعنوي لهذه الجريمة اللذين سنبينهما في المطلبين التاليين: المطلب الأول : الركن المادي لجريمة تمويل الإرهاب يتمثل الركن المادي لهذه الجريمة في القيام عمدا وبأي وسيلة كانت، مباشرة أو غير مباشرة، بتوفير أو تقديم أو جمع أو تدبير أموال أو ممتلكات، ولو كانت مشروعة، بنية استخدامها، أو مع العلم أنها ستستخدم كليا أو جزئيا لارتكاب فعل إرهابي أو أفعال إرهابية، من طرف شخص أو أشخاص أو جماعة أو عصابة منظمة، أو استعمال أموال من طرف شخص أو أشخاص أو جماعة أو عصابة منظمة من أجل ارتكاب فعل إرهابي أو أفعال إرهابية ؛ أو تقديم مساعدة أو مشورة لهذا الغرض ؛ أو محاولة ارتكاب الأفعال المذكورة، وبطبيعة الحال لابد من توافر علاقة سببية بين النشاط والنتيجة الإجرامية المحققة. ويمكن تنفيذ هذا السلوك من طرف شخص واحد، فيسمى فاعلا أصليا، أو يكون هذا التنفيذ مع الغير ويشاركه في ارتكابه فيسمى مشاركا. وسنخصص الفقرة الأولى لصور النشاط الإجرامي لتمويل الإرهاب، والثانية للمشاركة في جريمة تمويل الإرهاب. الفقرة الأولى : صور النشاط الإجرامي في تمويل الإرهاب يميز الفصل 218 – 4 من مجموعة القانون الجنائي بين نوعين من التمويل: يتجسد الأول في أي وسيلة تهدف إلى توفير أو تقديم أو جمع أو تدبير أموال أو ممتلكات بنية استخدامها لارتكاب فعل إرهابي أو أفعال إرهابية، وهو ما يعرف بالتمويل المادي للإرهاب. أما النوع الثاني فهو عبارة عن تقديم مساعدة أو مشورة لغرض تمويل جريمة إرهابية. أولا : التمويل المادي للإرهاب إذا كان السلوك الإجرامي يمكن أن يتخذ مظهرا إيجابيا أو سلبيا . فإن وقوع جريمة تمويل الإرهاب لا يتصور إلا من خلال فعل إيجابي يتمثل في مختلف المعونات المادية أو المالية المقدمة للإرهابيين والمنظمات الإرهابية، أو حسب تعبير الفقرة الأولى من الفصل 4-218 « القيام عمدا وبأي وسيلة كانت، مباشرة أو غير مباشرة، بتوفير أو تقديم أو جمع أو تدبير أموال أو ممتلكات، ولو كانت مشروعة، بنية استخدامها أو مع العلم أنها ستستخدم كليا أو جزئيا لارتكاب فعل إرهابي أو أفعال إرهابية، سواء وقع الفعل الإرهابي أو لم يقع؛، من طرف شخص إرهابي، أو جماعة أو عصابة أو منظمة إرهابية؛ ....أو محاولة ارتكاب الأفعال المذكورة». ويستدعي بيان هذه الأفعال المكونة للركن المادي لجريمة تمويل الإرهاب التطرق إلى نقطتين أساسيتيـن: الأولى تتعلق بالأشخاص الذين يقومون بتمويل الأفعال الإرهابية. بينما تتعلق الثانية بموضوع الجريمة الإرهابية. 1ـ الأشخاص الذين يقومون بتمويل الأعمال الإرهابية لم يميز المشرع المغربي بين الشخص المعنوي والشخص الطبيعي من حيث الأهلية للمساءلة الجنائية، حيث سوى بين أن يقوم بالتمويل شخص طبيعي أو شخص معنوي، ونص على عقوبة خاصة لكل واحد منهما. ومن جهة أخرى لم يحدد صفة الممول، ولم يشترط فيه أن يكون عضوا في التنظيم الإرهابي أو من خارج هذا التنظيم. وإن كان التمييز بين من يقوم بالتمويل، وهو من أعضاء التنظيم، والذي يقدم على نفس الفعل، وهو من خارجه، له أهميته، في أن الأول يفترض فيه العلم بأغراض التنظيم ، وأن هذه الصفة تعتبر ظرفا مشددا يبرر مضاعفة العقوبة، ويجعل مرتكب الفعل في حالة تعدد للجرائم. وقد أقرت الغرفة الجنائية لدى محكمة الاستئناف بالرباط في عدد من الملفات المتعلقة بقضايا الإرهاب " حيث أدانت أحد المتهمين بتكوين عصابة إجرامية والضرب والجرح، وتقديمه عمدا وعن علم لمساهمين في عصابة مساعدات نقدية، وتكوين عصابة لإعداد وارتكاب أعمال إرهابية في إطار مشروع جماعي، يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام، وتقديم أموال بنية استخدامها في عمل إرهابي، وممارسة نشاط في جمعية غير مرخص لها، وعقد اجتماعات عمومية دون تصريح مسبق ". وفي قرار آخر، " أدين مجموعة من المتهمين بتكوين عصابة إجرامية، لإعداد وارتكاب أعمال إرهابية، وجمع وتدبير أموال بنية استخدامها في ارتكاب أعمال إرهابية، وجنحة حيازة عملة أجنبية، وعدم إيداعها لدى بنك وسيط داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ استيرادها، طبقا للفصلين 15 و17 من ظهير 30 - 08 - 1949 المتعلق بزجر مخالفات قانون الصرف " . أما بالنسبة للشخص الذي لا ينتمي إلى التنظيم، فإن علمه بأهداف التنظيم لا يفترض، وذلك اعتبارا لقرينة البراءة التي تلازمه إلى أن يثبت العكس . ويقع على عاتق النيابة العامة عبء إثبات هذا العلم. 2 - موضوع تمويل الإرهاب أعطى المشرع المغربي لموضوع التمويل مفهوما واسعا، حيث جاء شاملا لكل الأموال والممتلكات التي توفر أو تقدم أو تجمع أو تدبر لكي تستخدم كليا أو جزئيا لارتكاب فعل إرهابي، أو محاولة ذلك. وذلك تفاديا لترك أي شكل من أشكال التمويل خارج دائرة التجريم والعقاب. ويستوي أن يكون المال ماديا أو غير مادي، أو أن يكون منقولا أو عقارا، وسواء كان مملوكا لشخص واحد أو مشاعا، ولا يتطلب النص نقل ملكية الشيء المعتبر مالا إلى التنظيم الإرهابي، بحيث يعد مرتكبا لجريمة تمويل الإرهاب من يعير المال المنقول إلى التنظيم، أو يسمح له باستخدامه لتحقيق أغراضه. كما يمكن أن تكون هذه الأموال نقدية أو عينية، ويدخل ضمنها العقود أو الوثائق القانونية التي تثبت ملكية هذه الممتلكات أو الحقوق المرتبطة بها، أيا كانت دعامتها، بما فيها الإلكترونية أو الرقمية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الائتمانات المصرفية، وشيكات السفر، والشيكات البنكية والتحويل الإلكتروني للأموال، والقيم المنقولة ، والسندات والكمبيالات، وخطابات الاعتماد . ولم يشترط المشرع أن تكون هذه الأموال غير مشروعة، بل نص صراحة على أن هذه الجريمة تقوم ولو كانت الأموال والممتلكات مشروعة. ومن جهة أخرى لم يحدد وسيلة معينة لتقديم هذا التمويل، إذ يمكن أن يكون بأي وسيلة كانت، مباشرة أو غير مباشرة، فقد تكون عن طريق الهبة أو التبرع أو تحويل حق الانتفاع مع بقاء الملكية للمالك أو غيرها من الوسائل. وتعتبر جريمة تمويل الإرهاب جريمة شكلية، وبالتالي لا تتطلب لتوفر ركنها المادي أن تكون الأموال التي قدمت للإرهابيين قد استخدمت لارتكاب الفعل الإرهابي، بل يتحقق بمجرد وضع المال تحت تصرف الإرهابيين. ولو لم يقع الفعل الإرهابي. ويتوفر الركن المادي أيضا باستعمال أموال من طرف شخص إرهابي أو بواسطة جماعة أو عصابة أو منظمة إرهابية من أجل ارتكاب فعل إرهابي أو أفعال إرهابية. وقد تم إعمال هذا التفسير الواسع لنص الفصل 218 – 4 من طرف غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالرباط التي أدانت " أحد المتهمين على أساس جمع وتدبير أموال بنية استخدامها في ارتكاب أعمال إرهابية، بعد اعترافه أمام ضباط الشرطة القضائية خلال البحث التمهيدي، وحيث جدد المتهم اعترافه عند استنطاقه ابتدائيا من طرف السيد قاضي التحقيق، أنه عمد من أجل تنشيط خليته الإرهابية إلى تنفيذ عدة سرقات بمعية أعضاء التنظيم، طالت عدة أموال ومنقولات لمجموعة من الأشخاص والمؤسسات الاقتصادية، حيث يتم توظيف ريعها في اقتناء المواد الأولية لصناعة المتفجرات، والتحضير لارتكاب أعمال إرهابية. وأنه توصل - رفقة أعضاء الخلية - إلى صنع الصاعق انطلاقا من ماء الأوكسجين والأسيون والماء القاطع. وحيث أكد المتهم أنه تسلم من أحد الأشخاص 40 ألف درهم عبارة عن أوراق مالية من فئة 200 درهم مزورة طالبا منه استبدالها بالعملة الصحيحة، مما جعله يقوم بشراء الماشية ثم إعادة بيعها للحصول على عملة صحيحة لشراء المواد الأولية لصناعة المتفجرات مما يتأكد معه أنه كان يقوم بالحصول على متفجرات لتدبير أنشطتهم الإرهابية" . ونشير إلى أن الفقرة الثانية من الفصل 6- 218 أجازت للمحكمة إعفاء أقارب وأصهار من ارتكب جريمة إرهابية أو ساهم أو شارك فيها، إلى غاية الدرجة الرابعة، إذا قدموا له مسكنا أو وسائل تعيش شخصية فقط. وهو محض تطبيق للقواعد العامة في الفصل 129. ونشير بخصوص الركن المادي لجريمة تمويل الإرهاب أن هناك تداخلا بين مقتضيات الفصل 4- 218 من مجموعة القانون الجنائي والفصل 6- 218 من القانون نفسه الذي ينظم المشاركة في هذه الجريمة، حيث إنها تجرم نفس الأفعال، ولا يختلفان إلا من حيث الصياغة، أما المضمون فهو واحد، فجريمة القيام عمدا بتوفير أو تقديم أو جمع أو تدبير أموال بنية استخدامها لارتكاب الجريمة الإرهابية المنصوص عليها في الفصل 4- 218، لا تختلف عن جريمة من يقدم عمدا لمن يرتكب فعلا إرهابيا أو يساهم أو يشارك فيه، أسلحة أو ذخائر أو أدوات تنفيذ الجريمة، أو مساعدات نقدية أو وسائل تعيش أو تراسل أو نقل، أو مكانا للاجتماع أو السكن أو الاختباء المنصوص عليها في الفصل 6- 218 من مجموعة القانون الجنائي. ويطرح هذا التداخل مسألة النص الواجب تطبيقه عندما يتعلق الأمر بتقديم أموال نقدية بغرض ارتكاب جريمة إرهابية . خصوصا وأن المشرع لم يضع ضابطا قانونيا لتحديد نطاق تطبيق مقتضيات هذين الفصلين، وهل يمكن الرجوع للفصل 6 من مجموعة القانون الجنائي وتطبيق القانون الأصلح للمتهم، الذي هو الفصل 4- 218، لكون الحد الأدنى فيه هو 5 سنوات بدلا من 10 سنوات في الفصل 6- 218، حتى وإن كانا يلتقيان في الحد الأقصى الذي يصل إلى 20 سنة، وذلك بالرغم من أن الفصل 4- 218 على خلاف الفصل 6- 218، نص على الغرامة بالإضافة إلى السجن. ثانيا : تقديم مساعدة أو مشورة لغرض تمويل جريمة إرهابية اعتبر المشرع المغربي في الفصل 4-218 أفعالا إرهابية « تقديم مساعدة أو مشورة لهذا الغرض». أي لغرض توفير أو تقديم أو جمع أو تدبير أموال أو ممتلكات من أجل استخدامها، أو مع العلم أنها ستستخدم كليا أو جزئيا لارتكاب فعل إرهابي. وتتنوع أشكال هذه المشورة أو المساعدة المقدمة، فقد تكون : ـ مساعدة أو مشورة قانونية، كتوضيح النصوص القانونية الموضوعية منها أو الإجرائية التي يمكن توظيفها وسلوكها لتمويل الإرهاب ؛ ـ مساعدة أو مشورة تقنية أو فنية، تكون عبارة عن تقديم معلومات وبيانات لتوظيف واستعمال مختلف الأنظمة المالية، أو المؤسسات البنكية، أو شركات التأمين، أو بورصات القيم، عن طريق التواطؤ والتغاضي عن العمليات المالية التي يقوم بها ممولو الإرهاب، وعدم تحقق المؤسسات المالية من هوية عملائها المعتادين أو العابرين، والتغاضي عن المعاملات غير العادية أو المشبوهة، وعدم التبليغ عن المعاملات التي يشتبه في أنها تشكل نشاطا إجراميا، وتمكين الجناة من أنظمة تسمح لهم بفتح حسابات يكون صاحبها أو المستفيد منها مجهول الهوية، أو لا يمكن التحقق من هويته، وإتلاف السجلات المتعلقة بالمعاملات المحلية أو الدولية. ـ وقد تكون مجرد تقديم النصائح والإرشادات، إذا كان الهدف منها بلوغ أو معرفة طريقة تمكن من توفير أو تقديم أو جمع أو تسيير أموال الإرهاب وكيفية استعمالها أو استغلالها. الفقرة الثانية : نطاق المشاركة في جريمة تمويل الإرهاب أحال الفصل 6 – 218 من مجموعة القانون الجنائي بخصوص المشاركة على المقتضيات العامة، لكنه نص على مقتضيات خاصة بجريمة تمويل الإرهاب. وتتطلب دراسة خصوصيات المشاركة في جريمة تمويل الإرهاب بيان أحكام المشاركة في القواعد العامة. أولا : أحكام المشاركة في القواعد العامة إن الغالب في الجريمة الإرهابية أنها ترتكب من طرف مجموعة من الأشخاص، يتوزع دورهم بين مساهمين ومشاركين . وإذا كان المساهم هو من ارتكب شخصيا عملا من أعمال التنفيذ المادي للجريمة ، فإن المشارك هو من لم يساهم مباشرة في تنفيذ الجريمة، ولكنه أتى أحد الأفعال المنصوص عليها في الفصل 129 من مجموعة القانون الجنائي . وقد أحال الفصل 6 – 218 على هذا الفصل عندما نص على أنه ׃ « بالإضافة إلى حالات المشاركة المنصوص عليها في الفصل 129 من هذا القانون، يعاقب بالسجن من 10 إلى 20 سنة كل شخص يقدم عمدا لمن يرتكب فعلا إرهابيا أو يساهم أو يشارك فيه أسلحة أو ذخائر أو أدوات تنفيذ الجريمة أو مساعدات نقدية، أو وسائل تعيش أو تراسل أو نقل أو مكانا للاجتماع أو السكن أو الاختباء، وكل من يعينه على التصرف فيما حصل عليه من فعله الإجرامي، وكل من يقدم له أي نوع من أنواع المساعدة مع علمه بذلك. ». ومن المعلوم أن جريمة المشاركة لا تجرم لذاتها، ولا تقوم إلا إذا توفرت جريمة معاقب عليها ارتكبت من طرف فاعل أصلي، ويعاقب المشارك في جناية أو جنحة طبقا للفصل 130 من مجموعة القانون الجنائي بالعقوبة المقررة لهذه الجناية أو الجنحة. ثانيا : خصوصيات المشاركة في جريمة تمويل الإرهاب إن مقارنة القواعد العامة للمشاركة ومقتضيات الفصل 6- 218 يبرز مجموعة من الملاحظات نوردها كالتالي : 1ـ إن الفصل 6- 218 جاء شاملا لكل الأفعال المنصوص عليها في الفصل 129. 2ـ خرج المشرع عن القاعدة المقررة في الفصل 130 من مجموعة القانون الجنائي والتي تقرر معاقبة المشارك بنفس عقوبة الفاعل الأصلي، وأفرد في الفصل 6- 218 عقوبة خاصة للمشاركة تختلف عن تلك المقررة لمختلف حالات المشاركة حسب الفصل 129، مما سيجعل القاضي يجد نفسه أمام فعل واحد هو تقديم الأسلحة، إلا أنه معاقب بعقوبتين مختلفتين إحداهما منصوص عليها في الفصل 6- 218 من مجموعة القانون الجنائي، وهي من 10 إلى 20 سنة سجنا، والأخرى قد تصل إلى الإعدام بتطبيق الفصل 129 من مجموعة القانون الجنائي إذا تعلق الأمر مثلا بالقتل العمد في صورته الإرهابية . 3ـ إن المشرع اشترط في الفقرة الرابعة من الفصل 129 الاعتياد على تقديم مسكن أو ملجأ أو مكان للاجتماع، وعلى هذا الأساس لا يعتبر مشاركا من ارتكب هذا الفعل مرة واحدة دون تكرار. بينما نهج في الفصل 6- 218 من مجموعة القانون الجنائي مسلكا مخالفا، حيث لم يتطلب مسألة التكرار والتعود على تقديم المسكن أو الملجأ، بل اكتفي لاعتبار الشخص مشاركا أن يأتي هذا الفعل مرة واحدة. وقد أدان القضاء المغربي مشاركين لمجرد إيوائهم لأعضاء التنظيم، ولم يتطلب عنصر الاعتياد.في مجموعة من الملفات، منه القرار الصادر عن الغرفة الجنائية لدى محكمة الاستئناف بالرباط، الذي "أدان المتهم بعد اعترافه بإيوائه مجموعة من الأفراد المنتمين لتنظيم السلفية الجهادية بمنزله رغم علمه بذلك" . 4ـ إن المشاركة في الجريمة تكون حسب مقتضيات الفصل 129 سابقة على ارتكاب الأفعال الجرمية أو معاصرة لها، ولا تدخل الأفعال اللاحقة للفعل الجرمي في المشاركة، إذ تصبح جريمة مستقلة، ومنها مثلا جريمة إخفاء المسروق في حالة السرقة . إلا أن الفصل 6- 218 قام بتمديد مجال المشاركة إلى ما بعد ارتكاب الفعل الجرمي، وذلك بإيراده في فقرته الأولى «....وكل من يعينه على التصرف فيما حصل عليه من عمله الإجرامي...». وهو خروج عن القواعد العامة للمشاركة يبرره خطورة الجريمة، وكون هذا الفعل الجرمي قد يؤدي إلى اندثار جسم الجريمة ومحو معالمها، مما يشكل عائقا أمام نجاعة البحث التمهيدي، والكشف عن مقترف الفعل الجرمي . 5ـ إن المشرع لم يحد عن القواعد العامة فيما يخص العلم، إذ يتطلب توافر العلم حتى يعتبر الشخص مشاركا في الجريمة الإرهابية. حيث نص صراحة على ذلك الفصل 6- 218، في فقرته الأولى « وكل من يقدم له أي نوع من أنواع المساعدة مع علمه بذلك». المطلب الثاني: الركن المعنوي لجريمة تمويل الإرهاب يتمثل الركن المعنوي في القصد الجنائي، وذلك من خلال علم الجاني بكون الأموال المقدمة ستستخدم في ارتكاب فعل إرهابي. وقد اعتبر المشرع في الفصل 4- 218 جريمة تمويل الإرهاب جريمة عمدية، واشترط لقيامها قانونيا توفر الإرادة والعلم بالنشاط المادي للجريمة لدى المتهم. وسنتناول العلم بالأركان التي تتحقق بها هذه الجريمة في الفقرة الأولى، ثم الإرادة التي تتجه إلى اقترافها في الفقرة الثانية. الفقرة الأولى : علم الجاني بالعناصر القانونية للجريمة يجب أن ينصب علم الجاني على جميع العناصر القانونية للجريمة، وهذا هو موضوع العلم ، ولكن ما هي العناصر القانونية للجريمة ؟ يقتضي مبدأ الشرعية أن يكون المجرم على علم بالركن القانوني للجريمة، أي أن يكون على معرفة تامة بأن السلوك الذي يرتكبه يعتبر جريمة بمقتضى القانون الجنائي ، وفي هذا الصدد افترض المشرع المغربي على غرار باقي التشريعات العلم بالقانون، ولو خالف الواقع في بعض الأحيان أو شكك فيه، ولا يعذر أحد بالجهل في القانون . وبذلك فموضوع العلم ينحصر في العناصر التي تتكون منها الجريمة قانونا، ويتطلب تحديد هذه العناصر الرجوع إلى النموذج القانوني لكل جريمة على حدة . وفيما يخص جريمة تمويل الإرهاب، فإن العلم يتمحور حول إدراك الجاني بأن الأموال أو الممتلكات التي تم توفيرها أو تقديمها أو جمعها أو تدبيرها ستستخدم كليا أو جزئيا لارتكاب فعل إرهابي، سواء وقع الفعل المذكور أو لم يقع، وذلك لكون جريمة تمويل الإرهاب تعتبر جريمة شكلية. أما في حالة عدم العلم بهذا الغرض، وتقديم الأموال لهدف آخر غير ارتكاب جرائم إرهابية، ولكنها مع ذلك استخدمت في هذا الغرض، فإنه لا تتوفر هذه الجريمة، كمن يقدم تبرعات مالية إلى جمعية خيرية على أساس الدور الذي تؤديه في خدمة المجتمع وخاصة فيما يتعلق بتقديم الدعم والمساعدة للمحتاجين، والقيام بمختلف المشروعات الخيرية داخل الدولة وخارجها ، إلا أنه يساء استغلال موارد هذه الجمعية الخيرية في تمويل مشروع إرهابي دون علم المتبرع ، فهذا الأخير لا يمكن اعتباره في هذه الحالة ممولا للإرهاب . ويمكن الاستعانة على إثبات علم مرتكب جريمة تمويل الإرهاب بالتمييز بين يقوم بهذا الفعل وهو عضو في التنظيم الإرهابي، وبين من لا ينتمي إليه، إذ يفترض في الأول العلم بأغراض التنظيم وأهدافه، بينما لا يفترض هذا العلم بالنسبة للشخص الذي لا ينتمي إلى التنظيم. الفقرة الثانية : اتجاه إرادة الجاني إلى اقتراف الجريمة تعتبر الإرادة العنصر الثاني للقصد الجنائي، وهي عبارة عن قوة نفسية، أو نشاط نفسي يوجه كل أعضاء الجسم أو بعضها نحو المساس بحق أو مصلحة يحميها القانون الجنائي . حيث تتجه هذه الإرادة اختياريا إلى اقتراف الركن المادي للجريمة ، وهي في حالتنا تقديم معونات مادية أو مشورة للتنظيم الإرهابي، ويتحقق بذلك القصد الجنائي، لا بالباعث ولا بالغاية، لأن القانون لا يعتد بالبواعث في بناء أركان الجريمة . ويكون من أقدم على تمويل فعل إرهابي، مرتكبا لجريمة تمويل الإرهاب، بغض النظر عن الباعث الدافع إلى إتيان هذا السلوك المجرم، أو الهدف الذي كان يصبو إلى تحقيقه. إلا أن عدم وجود تعريف جامع مانع لما يعد فعلا إرهابيا، وما لا يعد كذلك بسبب الخلاف بين دول العالم الثالث من جهة، والدول الغربية من جهة أخرى، قد ألقى بظلاله على جريمة تمويل الإرهاب . ففي الوقت الذي ترى فيه دول العالم الثالث أن أعمال المقاومة والكفاح ضد المستعمر من طرف الشعوب المستعمرة في سبيل استقلالها لا يعد إرهابا، وبالتالي فتقديم الدعم المادي لها لا يشكل جريمة تمويل الإرهاب، ترى الدول الغربية عكس ذلك. وهذا ما كرسته من خلال الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب الموقعة بنيويورك سنة 1999، حيث نصت مادتها السادسة على أن كل دولة تعتمد طرق التدابير اللازمة، كما في ذلك التشريعات الداخلية عند الاقتضاء لكفالة عدم تبرير الأعمال الإجرامية الداخلة في نطاق هذه الاتفاقية في أي حال من الأحوال باعتبارات ذات طابع سياسي أو فلسفي أو ايدولوجي أو عرفي أو إثني أو ديني أو أي طابع مماثل آخر. وهو ما جعل الدول العربية المصادقة على هذه الاتفاقية تخرج في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب المقاومة ضد المحتل من نطاق العمليات الإرهابية. المبحث الثاني : مصادر تمويل الإرهاب تتنوع المصادر التي تعتمدها التنظيمات الإرهابية لتمويل عملياتها الإرهابية، وذلك إما عن طريق الاتجار بالمخدرات، أو التهريب، أو الابتزاز ، أو خطف الرهائن وطلب الفدية، أو تزوير النقود، أو غسل الأموال، أو المنظمات الإجرامية....الخ. وكلما تعددت مصادر التمويل، اشتدت خطورة الجرائم الإرهابية، وتنقسم هذه المصادر إلى مصادر مشروعة وأخرى غير مشروعة؛ غير أن صعوبة اكتشافها تزداد عندما تكون هذه المصادر مشروعة. وسنتطرق لبعض المصادر غير المشروعة في المطلب الأول، وبعض المصادر المشروعة في المطلب الثاني. المطلب الأول : بعض المصادر غير المشروعة لتمويل الإرهاب من بين المصادر غير المشروعة التي تعتمدها التنظيمات الإرهابية لتمويل عملياتها الإرهابية، نجد غسل الأموال، وجرائم الاختطاف والاحتجاز وأخذ الرهائن وطلب الفدية. ومصادر أخرى الفقرة الأولى : جريمة غسل الأموال أصبحت عمليات غسل الأموال تمثل أكثر الجرائم انتشارا على مستوى العالم، فالأموال التي تغسل هي التي تكتسب بطرق غير مشروعة، فيلجأ أصحابها إلى إخفائها، وإعادة توظيفها في مجالات أخرى مشروعة . وتستخدم المنظمات الإرهابية نفس طرق غسل الأموال التي تستخدمها الجماعات الإجرامية والطرق الأكثر استعمالا من طرفها هي: تهريب الأموال عن طريق الوسطاء أو الشحن المباشر، والسحب من الحسابات المصرفية، وشراء أنواع متعددة من الوسائل النقدية كالشيكات المسافرين، والشيكات البنكية. ويمكن تعريف جريمة غسل الأموال بأنها تحويل أو توظيف الأموال المستمدة من أنشطة غير مشروعة في أصول مالية، لكي تبدو كما لو كانت مستمدة من مصادر مشروعة. وبذلك يتم التحريك المادي للمال وتحويله وإيداعه في البنوك الأجنبية تحت حسابات رقمية بأسماء وهمية، وكذلك تحويل أموال الاتجار بالمخدرات وتهريب الأسلحة أو غيرها من السلع والخدمات غير المشروعة، وتوظيفه في نشاطات مشروعة، لإخفاء الأنشطة غير المشروعة المستمدة منها، لإظهاره بمظهر أصول منظمات العمل المشروع . وقد نظم المشرع المغربي جريمة غسل الأموال في الباب التاسع من القسم الأول من الكتاب الثالث من مجموعة القانون الجنائي ، بحيث حدد الفصل 1 – 574 الأفعال المكونة لهذه الجريمة، وحدد الفصل 2 – 574 الجرائم المصدر التي تكون إلزامية لقيام جريمة غسل الأموال نظرا لما ينتج عنها من أموال غير مشروعة، وأخيرا العقوبات في الفصول من 3 – 574 إلى 7 – 574. ويتجلى الركن المادي لجريمة غسل الأموال في قطع الصلة بين الأموال المتحصلة من أنشطة إجرامية وبين أصلها ومصدرها غير المشروع . وتتفق غالبية التشريعات على عناصر الركن المادي، حيث يفترض لتحققه توفر مجموعة من العناصر تتمثل في : - جريمة سابقة (جريمة المصدر(، والتي يتمخض عنها مال (محل الغسل(. - أن يقوم الجاني بارتكاب فعل يحقق غسل الأموال. وقد لجأ المشرع المغربي بالنسبة للعنصر الأول المتمثل في الجريمة المصدر إلى أسلوب حصر الجرائم المكونة له بدل الاكتفاء بنص عام يحددها في كل جناية أو جنحة أيا كان نوعها، حيث حدد الفصل2-574 في 26 جريمة . أما العنصر الثاني المتمثل في الأفعال المشكلة لجريمة غسل الأموال، فقد حددها الفصل1-574 في : - اكتساب أو حيازة أو استعمال أو استبدال أو تحويل أو نقل ممتلكات أو عائداتها بهدف إخفاء أو تمويه طبيعتها الحقيقية أو مصدرها غير المشروع لفائدة الفاعل، أو لفائدة الغير، عندما تكون متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2- 574 بعده ؛ ¬ إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها، مع العلم بأنها عائدات متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 574.2 بعده؛ - مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2- 574 بعده على الإفلات من الآثار التي يرتبها القانون على أفعاله. ـ تسهيل التبرير الكاذب بأية وسيلة من الوسائل لمصدر ممتلكات أو عائدات مرتكب إحدى الجرائم المشار إليها في الفصل 2- 574، التي حصل بواسطتها على ربح مباشر أو غير مباشر. ـ تقديم المساعدة أو المشورة في عملية حراسة أو توظيف أو إخفاء أو استبدال أو تحويل أو نقل العائدات المتحصل عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من ارتكاب إحدى الجرائم المذكورة في الفصل 574.2 بعده. ـ محاولة ارتكاب هذه الأفعال. أما الركن المعنوي، فيقتضي لقيام هذه الجريمة باعتبارها جريمة عمدية، توفر القصد الجنائي، حيث ضمن المشرع الفقرة الأولى من الفصل 1-574 عبارة « عمدا وعن علم »، وذلك سواء القصد العام الذي تتجه فيه إرادة الجاني إلى اقتراف الركن المادي للجريمة مع العلم به وبالعناصر التي يتطلبها القانون، وخصوصا منها العلم بالمصدر غير المشروع للأموال، والسعي لغسل الأموال. أو القصد الخاص الذي ينصرف فيه إلى غرض معين، أو يدفعه إلى الفعل باعث معين . وهو اتجاه الإرادة إلى إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال المنقولة وغير المنقولة أو الموارد الناتجة عن إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2- 574، وذلك دون اعتبار لشخص مرتكب جريمة غسل الأموال، سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا. وسواء ارتكب الفعل داخل المغرب أو خارجه. وتجدر الإشارة إلى أن هناك نقط التقاء واختلاف بين جريمة غسل الأموال وجريمة تمويل الإرهاب يمكن إيجازها فيما يلي : بالنسبة لنقط الالتقاء، فإن أهمها : أن المشرع اعتبر كلا من غسل الأموال وتمويل الإرهاب فعلا إجراميا سواء ارتكبهما شخص طبيعي أو شخص معنوي ، وأنهما جريمتين عبر وطنيتين تتجاوزان حدود الدولة الواحدة مما يتطلب جهودا دولية في مهمة التصدي لهاتين الجريمتين ، خصوصا وأنه يتم في كليهما تمويه عوائد الأنشطة الإجرامية والتي يتم من خلالها إخفاء مصدرها غير المشروع. أما أوجه الاختلاف بين الجريمتين، فأبرزها أن جريمة غسل الأموال عبارة عن مجموعة من العمليات المصرفية وغير المصرفية تهدف إلى الفصل بين الأموال غير المشروعة وبين مصدرها الإجرامي لتبدو وكأنها أموال ذات مصدر قانوني مشروع. أما جريمة تمويل الإرهاب فيقصد بها الدعم المادي والمعنوي لعمليات إرهابية، كما أن مصدر الأموال في جريمة غسل الأموال يكون دائما غير مشروع، بينما مصادر الأموال المتجهة لتمويل الإرهاب قد تكون مشروعة أو أموالا غير مشروعة، وأن طبيعة العمليات المستخدمة في عمليات غسل الأموال تتسم بالتعقيدات الشديدة بغرض إخفاء مصدر تلك الأموال على عكس معظم عمليات تمويل الإرهاب التي تتسم بالبساطة كما أن مبالغها تكون متواضعة إذا ما قارناها بالأولى، إلا أن هذا لا ينفي أنها تحدث أضرارا بالغة الخطورة على المجتمع والاقتصاد الوطني . ومن جهة أخرى، تفترض جريمة غسل الأموال وجود جريمة سابقة، ويكون الدافع إلى ارتكاب جريمة غسل الأموال هي تحقيق الكسب المادي وإضفاء المشروعية على الأموال محل الجريمة وإخفاء معالم الجريمة الأولى، في حين أن الغرض من وراء عمليات تمويل الإرهاب هو توفير الدعم اللازم للمنظمة الإرهابية لتنفيذ الفعل الإرهابي بدافع الإيمان بقضية، وقد تكون ذات أهداف سياسية أو قائمة على أساس ديني . الفقرة الثانية : الجريمة المنظمة كمصدر لتمويل الإرهاب يمكن اعتبار الجريمة المنظمة نشاطا إجراميا لتنظيم يعتمد على التخطيط كأساس للعمل الجماعي، يهدف إلى تحقيق الكسب المالي غير المشروع ، وقد تلتقي مصالحها مع المنظمات الإرهابية، وهذا ما يدفعها إلى تمويلها. وتعتبر ظاهرة اجتماعية وقانونية ذات أبعاد متعددة قد لا تقتصر على التراب الوطني، بل يمكن أن تتعدى آثارها حدود الدولة، لتمتد إلى دول أخرى. ولم يعرف المشرع المغربي الجريمة المنظمة، وربما يرجع ذلك لكون هذا النوع من الإجرام لا نجده في المغرب إلا بشكل نادر . وإلى اختلاف المنظمات الإجرامية من حيث حجمها، ونطاق أنشطتها، والجرائم التي تضطلع بها، وارتباطاتها مع المنظمات الإجرامية الأخرى، والتباين في تنظيماتها الداخلية، والوسائل التي تستخدمها لحماية نفسها من آليات المراقبة. ولكنه صادق على بعض الاتفاقيات التي تخص هذه الجريمة، كاتفاقية باليرمو بتاريخ 12-12-2000 والتي تمت المصادقة عليها في نيويورك بتاريخ 20-09-2002، ونشرت في الجريدة الرسمية بتاريخ 12-02-2004. وقد تبنى المؤتمر الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، الذي انعقد في هافانا سنة 1990 التعريف الذي يجعل هذه الجريمة "مجموعة من الأنشطة الإجرامية المعقدة تقوم بها على نطاق واسع تنظيمات أو جماعات منظمة، ويكون الدافعان الرئيسيان إليها هما الربح المالي، واكتساب السطوة بفتح أسواق السلع والخدمات غير القانونية، والمحافظة على تلك الأسواق واستغلالها، وهذه الجرائم كثيرا ما تتجاوز الحدود الوطنية، ولا ترتبط فحسب بإفساد الشخصيات العامة والسياسية بواسطة الرشوة والتواطؤ، وإنما ترتبط أيضا بالتهديدات والتخويف والعنف". وتوجد علاقة وطيدة - لا يمكن نفيها- بين الجريمة المنظمة والمنظمات الإجرامية الإرهابية، حيث تعتبر الأولى من بين المصادر الرئيسية لتمويل هذه الأخيرة، لأن عصابات الجريمة المنظمة بما تمتلكه من موارد مالية وخبرة في مجال الإجرام، لم تتردد في تقديم يد العون للجماعات الإرهابية التي تستعين بوسائل وأساليب الجريمة المنظمة في توفير الأسلحة، وحل مشكل السيولة، علاوة على أنها تتزود منها بما قد تفتقر إليه من خبرات فنية إجرامية، مثل سرقة السيارات، وفتح الخزائن، وتزوير الوثائق وبطاقات الهوية، لتسهيل حركة تنقل أعضائها، وتسهيل إفلاتهم من الوقوع تحت طائلة القانون بعد تنفيذ عملياتهم الإرهابية . وبطبيعة الحال، فإن ذلك يكون مقابل ما يمكن أن تقدمه شبكات الإرهاب لعصابات الجريمة المنظمة من حماية مسلحة، كحماية تجارتها للمخدرات مثلا، أو عنف مسلح تتطلبه مخططاتها. وهذه العلاقة المتشابكة بين عصابات الجريمة المنظمة، والشبكات الإرهابية، أدت إلى الخلط بين الجريمتين في بعض الأحيان، وذلك بالنظر لأوجه الترابط القائمة بينهما، ذلك أن كل جماعة إرهابية هي بالضرورة جماعة وعصابة منظمة، لكن العكس غير صحيح. ومن بين أوجه التداخل أن كلا الجريمتين هما من أخطر الظواهر الإجرامية التي عرفها المجتمع الإنساني، وذلك بالنظر لأنه يقوم بارتكابهما جماعات إجرامية منظمة ومهيكلة، تبيح لنفسها حيازة السلاح واستخدامه، واعتماد تقنيات دقيقة من أجل تحقيق أهدافها، كما أنها تشتغل في عالم من السرية ، فضلا عن أنهما يشكلان تهديدا خطيرا على الأمن والاستقرار الوطني والدولي وقيم الديمقراطية ودور القانون وحقوق الإنسان والجهود الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. أما نقط الاختلاف بين الجريمتين، فيتمثل في أن الأشخاص الذين يرتكبون جريمة تمويل الإرهاب إنما يقدمون على اقترافها بقصد تحقيق غاية تستحق التضحية وفق اعتقادهم، وفي غالب الأحيان يتخذون من المبادئ العقائدية ستارا لأهداف ومطامع سياسية، في حين أن الجريمة المنظمة تمثل عنفا منظما غايته تحقيق المكاسب المادية، كما أن جريمة تمويل الإرهاب يمكن اقترافها من قبل شخص واحد، أو بالاشتراك مع أشخاص آخرين توحدهم الأهداف والاعتقادات، في حين أن الجريمة المنظمة ترتكب من قبل تنظيم لا يقل أعضاؤه عن ثلاثة . الفقرة الثالثة : مصادر أخرى نتناول في هذه الفقرة بشكل مختصر بعض مصادر تمويل الإرهاب أولا : اختطاف واحتجاز الرهائن ودفع الفدية يشكل الاختطاف واحتجاز الرهائن أحد المصادر التي تعتمد عليها الجماعات الإرهابية خصوصا في منطقة الساحل والصحراء، نظرا لما تدره عليها من موارد مالية بفضل الفدية التي تحصل عليها لقاء إطلاق سراح الرهائن، فضلا عن الدعاية التي توفرها لها. وليس هناك نص خاص في القانون المغربي يجرم هذا الفعل في ارتباطه بالإرهاب، وإنما نص المشرع على معاقبة هذا الفعل في نص يرتبط أكثر بممارسة السلطة العامة، حيث عاقب في الفصل 436 من مجموعة القانون الجنائي بالحبس من خمس إلى عشر سنوات كل من يختطف شخصا أو يقبض عليه أو يحبسه أو يحجزه دون أمر من السلطات المختصة وفي غير الحالات التي يجيز فيها القانون أو يوجب ضبط الأشخاص. ونص على ظروف للتشديد إذا تجاوزت مدة الحجز 30 يوما، أو تمت عن طريق ارتداء بذلة أو حمل شارة نظامية، أو عن طريق انتحال اسم كاذب أو تقديم أمر مزور على السلطة العامة، أو كان مرتكب الفعل أحد الأشخاص الذين يمارسون سلطة عامة. لكن المشرع رفع العقوبة إلى الإعدام إذا كان الاختطاف أو القبض أو الحبس أو الحجز يهدف إلى تمكين مرتكبيه من أخذ رهائن إما لإعداد أو تسهيل ارتكاب جريمة أو جنحة، وإما لتيسير هروب مرتكبي الجناية أو الجنحة أو إفلاتهم من العقاب، أو تنفيذ أمر أو تنفيذ شرط لا سيما أداء فدية. على أنه تكون العقوبة الإعدام إذا وقع تعذيب بدني على الشخص المخطوف. وقد صادق مجلس الأمن في دورته 6247 على اللائحة رقم 1904 التي تتضمن تجريم دفع الفدية للجماعات الإرهابية، كما صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دجنبر 2012، على قرار بدون تصويت تحت عنوان ”إجراءات للتخلص من الإرهاب الدولي"، تدعو فيه البلدان الأعضاء إلى عدم تمويل أو دعم النشاطات الإرهابية، معربة عن قلقها إزاء ارتفاع عدد قضايا الاختطاف التي تفضي إلى طلب فديات، أو تنازلات سياسية، داعية إلى ضرورة التصدي لهذا المشكل كما أوصت الجمعية العامة لجنتها السادسة بإنشاء مجموعة عمل خلال الدورة الـ 68 للجمعية العامة المنعقدة في سبتمبر 2013 من أجل وضع الصيغة النهائية لمشروع الاتفاقية العامة حول الإرهاب الدولي. ثانيا : المخدرات يمكن إجمال صور العلاقة بين الإرهاب والمخدرات في خمسة صور : 1- توفير السيولة النقدية اللازمة للمنظمات الإرهابية لتنفيذ مخططاتها الإجرامية، إذ تقدر الأمم المتحدة أن 10% من عوائد تجارة المخدرات عالميا يذهب إلى المنظمات الإرهابية إما بسبب اتجارها هي في المخدرات أو بسبب تقاضيها إتاوات من منظمات الاتجار غير المشروع بالمخدرات التي تقاسمهما ذات المنطقة الجغرافية نظير فرض حمايتها عليها . 2- الاتجار غير المشروع بالمخدرات يهز تماسك المجتمعات سواء كانت في دولة منتجة للمخدرات أو مستهلكة لها أو دول تمر المخدرات عبرها وقد يؤدي العنف الذي يمارسه تجار المخدرات إلى الفوضى وعدم استقرار الأمن وهي أمور تفيد المنظمات الإرهابية. 3- استفادة المنظمات الإرهابية من الخبرة الإجرامية المتوفرة لدى منظمات الاتجار غير المشروع بالمخدرات فقد تبين أن أغلب مرتكبي الهجمات الإرهابية يحملون وثائق سفر مزورة اشتروها من مزور يتعامل مع عصابات الاتجار غير المشروع بالمخدرات. 4- تشتري منظمات الاتجار غير المشروع بالمخدرات بالمال الفاسدين من رجال الشرطة والتحقيق والقضاة وكبار الشخصيات وهذا الفساد يوهن السلطة ويجعلها ضعيفة في مواجهة المنظمات الإرهابية. 5- تعاون منظمات الاتجار غير المشروع مع منظمات الإرهاب في مقاومة أجهزة المكافحة سواء كانت أجهزة مكافحة المخدرات أو أجهزة مكافحة الإرهاب. ثالثا : الدعم الخارجي تتعد مصادر الدعم الخارجي للإرهاب، فقد يشمل : 1- التبرعات التي تجمعها قيادات التنظيم الموجودة خارج الدولة من المتعاطفين مباشرة مع التنظيم المتطرف أو الإرهابي. 2- دعم أجهزة المخابرات التي تتلاقى مصالحها مع التنظيمات المتطرفة. بيد أن الدعم التي تقدمه أجهزة المخابرات لا يقتصر على الدعم المادي والتمويل فحسب، بل يتعدى ذلك إلى التدريب على تنفيذ المهام والدعم اللوجستي والمعلوماتي وتأمين المواد اللازمة لتنفيذ العمليات الإرهابية ، وهو ما يؤكد وجود علاقة وثيقة بين التنظيمات المتطرفة والمخابرات الأجنبية التي تتفق معها في الأهداف. 3- دعم الدول والمنظمات التي تتبادل مصالح مع التنظيم المتطرف ، إما من أجل زعزعة الأمن والاستقرار في الدول المستهدفة أو من أجل الترويج لأفكار تلك الدول أو المنظمات، وقد يكون ذلك من اجل تحقيق مصالح مشتركة أو تبادل منافع بين التنظيم والدول والمنظمات الأخرى. المطلب الثاني : بعض المصادر المشروعة تستغل الجماعات الإرهابية الإمكانية التي يتيحها العمل الخيري لإيجاد مصدر مشروع لتمويل عملياتها. وهذا ما سيدفعنا إلى تناول ماهية الجمعيات الخيرية في ( الفقرة الأولى ) ثم نتطرق إلى الرقابة على الجمعيات الخيرية ( الفقرة الثانية ). الفقرة الأولى: ماهية الجمعيات الخيرية تؤدي الجمعيات الخيرية دورا إنسانيا في مجتمعنا والمتمثل في تعزيزها للوحدة والروابط الاجتماعية بين مختلف فئات المجتمع بجميع مستوياته، والعناية بذوي الحاجة من الفقراء والأيتام، وكذلك دعمها للروح التطوعية، وتعتمد في مواردها أساسا على الهبات والتبرعات واشتراكات الأعضاء وغيرها. بيد أن التنظيمات المتطرفة والإرهابية تجد في ذلك مجالا رحبًا للدخول واستخدام أموال المتبرعين في تنفيذ مخططاتها. إلا أنه وبعد أحداث 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، لم يشفع لهذه الجمعيات الخيرية بعدها الإنساني والديني، حيث سلطت الحكومة الأمريكية والأجهزة ذات الصلة بمكافحة الإرهاب الضوء على التبرعات المقدمة للأعمال الخيرية الإسلامية، وادعت أن الجماعات الإرهابية استغلت هذه التبرعات في تمويل الإرهاب، مما أدى إلى إغلاق حوالي 41 مؤسسة خيرية في أنحاء العالم أغلبها مؤسسات إسلامية . وقد أرجع البعض سبب ذلك إلى نظرية " هانتنغتون" المرتبطة بصدام الحضارات ، وسعي الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى البحث عن عدو جديد، ويتأكد ذلك من نسبة مجموعة من العمليات الإرهابية والإجرامية داخل الولايات المتحدة الأمريكية للمسلمين، وتبين فيما بعد أنها من فعل منظمات إجرامية أمريكية. أما بالنسبة للسلطات المغربية، فإنه بعد أحداث 16 مايو 2003 الإرهابية، وتفجيرات مارس وأبريل 2007، وضعت حوالي 150 جمعية ومنظمة تحت مراقبة دقيقة، واستطاع عملاؤها اختراقها لمعرفة طبيعة نشاطها من الداخل ومعرفة مصادر تمويلها . الفقرة الثانية : الرقابة على الجمعيات الخيرية تنبهت الدول إلى أهمية هذه المسألة، فأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 51/210 المؤرخ في 17 دجنبر 1996 طلبت بموجبه من جميع الدول اتخاذ خطوات بالوسائل الداخلية الملائمة لمنع تمويل الإرهابيين والمنظمات الإرهابية والحيلولة دون هذا التمويل، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق منظمات ذات أهداف خيرية أو اجتماعية، أو ثقافية، أو تدعي ذلك، وبذلك يتطلب تحقيق الموازنة بين الدور الحقيقي الذي أعدت له هذه الجمعيات، والتصدي للأشخاص الذين يمكنهم أن يستغلوها في تحقيق أهدافهم الإجرامية وتمويل الإرهاب، وضع مجموعة من الإجراءات من طرف المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية من شأنها تقييد أنشطة الجمعيات الخيرية والتبرعات الواردة إليها. فبالنسبة للأجهزة الدولية، فرضت مجموعة العمل المالي المعنية بالتدابير المالية لمكافحة تبيض الأموال GAFI مجموعة من الالتزامات ومن أهمها : 1ـ منع عمليات التحويل الخارجي من حساب الجمعيات والمؤسسات الخيرية إلا بعد الحصول على الموافقة من الجهات المعنية في الدولة. 2ـ قصر المساعدات الموجهة إلى الخارج على الجمعيات والمراكز المرخص لها رسميا من الحكومات أو الجهات المعنية في دولها، وبعد التنسيق بينها وبين حكومات تلك الدول، وعدم تقديمها بشكل مباشر للأفراد أو المؤسسات أو الجمعيات الأجنبية الصغيرة التي لا تخضع للتنظيم والإشراف من بلدانها لصعوبة متابعتها والمخاطر التي قد تترتب عنها. 3ـ التأكد قبل السماح بتقديم مساعدات إلى جهات خارجية من أن جميع الترخيصات الممنوحة للجهات المستفيدة سارية المفعول، ومنها تراخيص مزاولة النشاط، وتراخيص تنفيذ المشروعات المقدمة من أجلها المساعدة، وترخيص الإذن بجمع التبرعات أو المساعدات من الخارج صادرة من الجهات المعنية في هذه الدول. 4ـ التركيز على تقديم المساعدات لتنفيذ مشروعات وبرامج ونشاطات محددة ومعروفة وخاضعة لإشراف الجهات المعنية في الدول المستفيدة ومراقبتها أو لإشراف إحدى الجهات أو المؤسسات الدولية. 5ـ التوقف بشكل تام عن صرف أي مساعدات بصورة نقدية، وقصر عملية الصرف لتتم على شكل شيكات، يتم صرفها للمستفيد منها عن طريق الإيداع في حسابات المستفيد لدى بنكه في بلده عن طريق بنك مراسل. أما فيما يخص التشريعات الوطنية فقد ركزت على الإطار القانوني(أولا) والإطار التنظيمي والمالي (ثانيا) ،الإطار الرقابي والإشرافي (ثالثا). أولا : الإطار القانوني لعل من أهم ما تلزم مراعاته في هذا الشأن هو إصدار قوانين خاصة تنظم إنشاء المؤسسات والجمعيات الخيرية وعملها وآليات الإشراف عليها على أن تتضمن هذه التشريعات ما يلي : 1ـ تحديد الجهة الموكول إليها الإشراف على هذا القطاع ومراقبته وتحديد المهمات والصلاحيات والمسؤوليات الموكلة إلى هذه الجهة . 2ـ الآليات والشروط اللازم التحقق منها قبل منح التراخيص لإنشاء المؤسسات أو الجمعيات الخيرية ومن بينها : أ - التحقق من أهداف كل جمعية ونشاطاتها قبل منح التراخيص. ب - مراجعة الأسماء المرشحة لعضوية مجلس إدارة الجمعية الخيرية، ومدى توافق الأسماء المرشحة والمعايير الموضوعة المتعلقة بالأهلية والسمعة الحسنة. ج - الموارد المتاحة للجمعية الخيرية وطرق استخدامها. د - منح الجهة المشرفة على هذه الجمعيات صلاحيات اتخاذ العقوبات المناسبة بحق الجمعيات والمؤسسات المخالفة للتعليمات الموضوعة، وصلاحيات عزل المسؤولين والعاملين في هذه الأخيرة ممن يثبت عدم مناسبتهم لهذا العمل . ثانيا :الإطار التنظيمي والمالي يعتبر جمع الأموال وصرفها الركيزة الأساسية التي تبنى عليها نشاطات الجمعيات والمؤسسات الخيرية، لذلك يعتبر ضبط هذين النشاطين العمود الفقري لحسن سير هذه المؤسسات وضمان عدم إساءة استغلالها، ويمكن للجهات المعنية في الدولة القيام بذلك من خلال وضع قوانين إلزامية تنظم هذه العمليات ، وذلك عن طريق الوقف الكلي لعمليات جمع الأموال وصرفها بشكل نقدي، والاستعاضة عن طريق ذلك باستخدام الحسابات المصرفية التي من خلالها يمكن ضبط آليات الصرف من حسابات الجمعيات الخيرية. والجمعيات الخيرية التي تحتفظ بمبالغ مالية ضخمة يجب أن تستخدم الأنظمة المصرفية الرسمية لإجراء معاملاتها المالية، وإن تبني هذه الطريقة سيضع حسابات هذه المنظمات ضمن النظام المصرفي، وتحت المعايير الرقابية والتنظيمية لهذا النظام. فبالرغم من أن الجهات القائمة على البنوك لا تتدخل للإشراف على المؤسسات الخيرية، إلا أن أهمية المطالبة بجمع الأموال الخيرية، وتحويل الأموال عبر القنوات الرسمية، تؤكد على أهمية استنفار النظام التشريعي للبنوك، وذلك للتبليغ عن النشاطات المشبوهة من خلال إتباع بعض القواعد مثل "اعرف عميلك ". ثالثا :الإطار الرقابي والإشرافي يجب على الجمعيات الخيرية أن تكون قادرة على تقديم ميزانيات متكاملة البرامج، تشتمل على كامل النفقات، ولا بد لهذه الميزانيات أن تشير إلى هوية المستفيدين، وكيفية استخدام الأموال، ويجب كذلك حماية الميزانية الإدارية عن طريق إخضاعها للرقابة. كما أن استخدام هذه الجمعيات الخيرية للقنوات المالية الرسمية لتحويل الأموال إلى الخارج أو الحصول عليها من الخارج يعد من أهم العوامل التي تكرس مبدأ الشفافية داخل الجمعيات الخيرية . وينبغي على الجهات المشرفة على المؤسسات والجمعيات الخيرية أن تعزز الدور الرقابي الذي تمارسه على هذه الجمعيات، وذلك باعتمادها على مجموعة من الآليات، منها القيام بالزيارات التفتيشية الميدانية، وإلزام هذه الجمعيات بإعداد قوائم مالية محاسبية سنوية. الفصل الثاني التصدي لجريمة تمويل الإرهاب أدى التطور التكنولوجي الذي عرفه العالم خلال السنوات الأخيرة إلى تسهيل عملية نقل الأموال بين الدول، حيث أصبح بالإمكان تحويلها عبر العالم في ثوان معدودة، وهو الأمر الذي استغلته المنظمات الإرهابية بشكل فعال لتنفيذ أنشطتها الإجرامية. وفي هذا الصدد شكلت الأبناك أهم الآليات المعتمدة من طرف هذه المنظمات لنقل وحماية هذه الأموال، نظرا لكون العمليات والتحويلات البنكية يمكن أن تكون دولية مما أضفى عليها بعض التعقيدات التي تجعل من الصعب التمييز بين العمليات المشروعة والعمليات غير المشروعة الموجهة لتمويل الأعمال الإرهابية. وأمام تنوع وتعدد وسائل وقنوات التمويل لإمداد المنظمات الإرهابية بالأموال اللازمة، كان لزاما تضافر الجهود الدولية للتصدي لجريمة تمويل الإرهاب، لأن هذا الأخير يعتبر جريمة عبر وطنية يمكن أن تمول في دولة ويخطط لها في دولة أخرى لكي تنفذ في دولة ثالثة، واغناء الترسانة القانونية الوطنية لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب، والتنصيص على عقوبات تتلاءم وطبيعة الشخص المطبقة عليه مع تفريدها كلما توفرت ظروف التشديد والتخفيف. وسنتناول ضمن هذا الفصل في مبحث أول تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، وفي المبحث الثاني عقوبة جريمة تمويل الإرهاب المبحث الأول : تجفيف مصادر تمويل الإرهاب تمثل مكافحة جريمة تمويل الإرهاب الجبهة الرئيسية في الحرب على الإرهاب وذلك لأن التمويل هو أساس نجاح العمليات الإرهابية و العنصر الفاعل في تحقيق أهدافها، لذلك تكاثفت جهود المؤسسات والمنظمات الدولية من أجل تجفيف منابع التمويل وذلك بوضع آليات تحد من وصولها إلى الإرهابيين ( المطلب الأول ) وسايرت التشريعات الوطنية هذه الجهود الدولية ( المطلب الثاني ) المطلب الأول : الجهود الدولية والإقليمية للتصدي لتمويل الإرهاب حظيت جريمة تمويل الإرهاب في السنوات القليلة الماضية باهتمام لا مثيل له من قبل غالبية الدول والمنظمات الدولية وذلك عن طريق اتخاذ آليات تشريعية أو أمنية أو رقابية كفيلة لمكافحة هذه الجريمة سواء على الصعيد الدولي ( الفقرة الأولى ) أو على الصعيد الإقليمي ( الفقرة الثانية ) الفقرة الأولى : الجهود الدولية للتصدي لتمويل الإرهاب أولى المجتمع الدولي أهمية كبيرة للتصدي لظاهرة تمويل الإرهاب بمجابهة مصادر التمويل، إلا أن هذه الجهود لا زالت تعتريها بعض النقائص. أولا : الآليات الدولية للتصدي لتمويل الإرهاب من أهم المبادرات الدولية في هذا الصدد هناك الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، و قرار مجلس الأمن رقم 1373 المتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب. 1 : الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب تضمنت الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الارهاب التي بدأ سريانها في دجنبر 2002 عدة نصوص خاصة بالتعاون الدولي في مجال المساعدات القانونية المتبادلة وتسليم المجرمين، وتبادل المعلومات المتعلقة بتمويل الإرهاب .من خلال المواد (12-19) . وقد اعتبرت المادة الثانية من هذه الاتفاقية مرتكبا جريمة تمويل الإرهاب كل شخص يقوم بأية وسيلة كانت، مباشرة أو غير مباشرة، وبشكل غير مشروع بتقديم وجمع أموال بنية استخدامها كليا أو جزئيا للقيام بعمليات إرهابية. كما اشترطت توفر الركن المعنوي المتمثل في الإرادة مع العلم بأن الأموال تستخدم كليا أو جزئيا في ارتكاب هذه العمليات. وأعطت في مادتها الأولى مفهوما واسعا للأموال، التي تشمل « ... أي نوع من الأموال المادية أو غير المادية المنقولة أو غير المنقولة التي تحصل عليها بأي وسيلة كانت والوثائق أو الصكوك القانونية أيا كان شكلها بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الائتمانات المصرفية وشيكات السفر والشيكات المصرفية والحوالات والأسهم والأوراق المالية والسندات والكمبيالات وخطابات الاعتماد ». كما أن هذه الاتفاقية لم تشترط أن تستعمل هذه الأموال فعليا في ارتكاب الجريمة، فيكفي لقيام جريمة تمويل الإرهاب تقديم الأموال وجمعها بنية استخدامها في العمليات الإرهابية سواء استخدمت هذه الأموال أو لم تستخدم وهي بذلك اعتبرتها جريمة شكلية. وأوصت المادة 12 من هذه الاتفاقية الدول الأطراف فيها على تبادل المساعدة القانونية فيما يتعلق بأي تحقيقات أو إجراءات جنائية أو إجراءات تسليم المجرمين تتصل بالجرائم المبينة في المادة 2 بما في ذلك تبادل الأدلة المتصلة بهذه الإجراءات، ولا يجوز للدول الأطراف التذرع بسرية المعاملات المصرفية لرفض طلب الحصول على المساعدة القانونية. وأنه ينبغي على البنوك التبليغ عن العمليات التي يشتبه في أنها تنطوي على تمويل الإرهاب كالعمليات المشبوهة أو غير العادية، أو التي ليس لها مبرر اقتصادي، وكذلك رفض الحسابات المجهولة. 2ـ قرار مجلس الأمن رقم 1373 اتخذ مجلس الأمن القرار 1373 في 28 شتنبر 2001، وألزم جميع الدول بمكافحة تمويل الإرهاب وتجميد الاعتمادات المالية والأصول الأخرى والموارد الاقتصادية للدول التي تصنع الإرهاب أو تشجع الإرهاب أو تسهل ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وكذلك الأشخاص الذين يتصرفون باسمها، أو بناء على تعليمات من هذه الدول أو هيئاتها. ولضمان تحقيق هذا الهدف أوجب القرار أعلاه اتباع الخطوات التالية : أ- منع ووقف تمويل الأعمال الإرهابية ب- تجريم قيام رعايا هذه الدول عمدا بتوفير الأموال أو جمعها بأية وسيلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أراضيها لكي تستخدم في أعمال إرهابية. ج- القيام بدون تأخير بتجميد الأموال وأي أصول مالية أو موارد اقتصادية لأشخاص يرتكبون أعمالا إرهابية ومن يرتبط بهم من أشخاص وكيانات أو الأموال التي تدرها هذه الممتلكات . د- دعم تبادل المعلومات بين الدول بخصوص الإرهاب. هـ- رفض إعطاء حق اللجوء السياسي للمشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية أو تكون لهم صلة بها . و- منع استخدام أراضيها في التحريض على الإرهاب. ي- عدم التذرع بأي دوافع سياسية لرفض طلب تسليم الإرهابيين. الفقرة الثانية : نقائص التدابير الدولية إن من أهم نقائص التدابير الدولية لمكافحة جريمة تمويل الإرهاب والإرهاب عموما هو عدم وجود تعريف موحد لجريمة الإرهاب، والذي أدى إلى صعوبة الاتفاق على المستوى الدولي بشأن التعاون لمكافحة تمويل الإرهاب بالرغم من كم الاتفاقيات الدولية. كما أن عدم التطبيق الفعال للتوصيات الأربعين لفريق العمل المالي المتعلقة بمكافحة غسل الأموال والتوصيات التسع المتعلقة بمكافحة الإرهاب وعدم تقيد بعض الدول بالتطبيق العملي لنصوص الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب وقرار مجلس الأمن رقم 1373 . من أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف التعاون الدولي في مواجهة تمويل الإرهاب. ويضاف إلى ذلك الخلاف الموجود بين الدول بخصوص أعمال حركات التحرر الوطني، إذ توجد من جهة دول تستثنيها دول من دائرة الأعمال الإرهابية رغم استعمالها العنف في مواجهة المستعمر من أجل تحقيق الاستقلال مستندة في ذلك إلى اعتراف عدد من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وخاصة القرار رقم 3246 بتاريخ 29 نوفمبر 1973 والقرار رقم 2625 بتاريخ 24 أكتوبر 1979 والقرار رقم 3314 الصادر في 14 دجنبر 1973 للشعوب الخاضعة للأنظمة الاستعمارية والعنصرية بحق الكفاح في سبيل نيل الاستقلال إلى جانب العديد من القرارات التي صدرت عن المنظمات الإقليمية كمنظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي زيادة على القرارات المهمة التي صدرت عن حركة عدم الانحياز في هذا الشأن. ومن جهة أخرى هناك دول تنتمي أغلبها إلى المعسكر الغربي تعتبر الأعمال التي تقوم بها الحركات التحررية فعلا إرهابيا وهو كذلك الموقف الذي تبناه مجلس الأمن في القرار 1377 في 12 نونبر 2001 عندما أكد رفضه لكل أفعال الإرهاب ووسائله وممارسته ويعتبرها أفعالا إجرامية لا يمكن تبريرها، وذلك بغض النظر عن أسبابها مهما كانت ومظاهرها وكيفما كانت الجهات التي ارتكبتها وأينما ارتكبت . الفقرة الثانية : الجهود الإقليمية للتصدي لتمويل الإرهاب أدت الانعكاسات الخطيرة والتأثيرات السلبية على الاستقرار المالي والاقتصادي والسياسي لأي دولة جراء عمليات تمويل الإرهاب إلى ظهور الحاجة إلى تعاون إقليمي لمكافحتها ومنها إنشاء مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا 1ـ نشأة مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يعد إنشاء مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا استجابة إقليمية من قبل الدول الأعضاء المؤسسين لها،لضرورة نشر وتطبيق المعايير الدولية الرامية لمكافحة تمويل الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على اعتبار أن هذه المخاطر لا يمكن معالجتها والتصدي لها بطريقة فعالة إلا من خلال التعاون بين دول المنطقة . وتعتبر المجموعة ذات طبيعة طوعية وتعاونية وقد تم تأسيسها بالاتفاق بين أعضائها ، وهي لا تنبثق عن معاهدة دولية كما أنها مستقلة عن أية هيئة أو مؤسسة دولية أخرى، وهي تضطلع بنفسها بتحديد عملها ونظمها وإجراءاتها على أن تتعاون مع الهيئات الدولية الأخرى لتحقيق أهدافها. 2ـ أهداف مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا تضمنت مذكرة التفاهم، التي تم بموجبها إنشاء المجموعة، ستة أهداف على المجموعة أن تعمل على تحقيقها وهي: ـ تنفيذ التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالي حول مكافحة غسل الأموال. ـ تنفيذ التوصيات الخاصة لمجموعة العمل المالي حول مكافحة تمويل الإرهاب. ـ تنفيذ معاهدات واتفاقيات الأمم المتحدة ذات الصلة بالموضوع وقرارات مجلس الأمن المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ـ التعاون بين الدول الأعضاء لتعزيز الالتزام بهذه المعايير والإجراءات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والعمل مع المؤسسات الدولية الأخرى لتعزيز الالتزام بهذه المعايير والإجراءات في جميع أنحاء العالم. ـ العمل على تحديد الموضوعات المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب ذات الطبيعة الإقليمية لتحديد وتبادل الخبرات حول هذه القضايا وتطوير الحلول الإقليمية لمعالجتها. ـ اتخاذ ترتيبات فعالة في جميع أنحاء المنطقة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بطريقة فعالة طبقا للقيم الثقافية الخاصة بالدول الأعضاء ونظمها القانونية. المطلب الثاني :الجهود الوطنية للتصدي لتمويل الإرهابية تنبه المشرع لخطورة جريمة تمويل الإرهاب ولآثارها المدمرة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وسن مجموعة من المقتضيات تروم التصدي لهذه الجريمة وذلك إما بطريقة استباقية لمحاولة الوقاية منها عن طريق المؤسسات المالية ( الفقرة الأولى ) وإما بطريقة لاحقة لوقوع الجريمة عن طريق الأجهزة القضائية ( الفقرة الثانية ). الفقرة الأولى : دور المؤسسات البنكية في مكافحة تمويل الإرهاب يعتمد القائمون بعمليات تمويل الإرهاب على خدمات البنوك لإمداد التنظيمات الإرهابية بالمعونات المادية، مستغلين في ذلك التطور التقني في مجال تحويل الأموال، والتزام الأبناك بالسر المهني وعدم إفشاء الأسرار البنكية لزبنائها. أولا : الأبناك بين الالتزام بالسر المهني وواجب مكافحة تمويل الإرهاب أدى التباين بين واجب التبليغ عن العمليات المشبوهة إلى السلطات المختصة، والحفاظ على السر المهني إلى تباين موقف تشريعات مختلف الدول . بين الدول التي تطبق مبدأ السر المهني البنكي المطلق، إذ لا تسمح بالخروج عن هذا المبدأ إلا في أضيق الحدود، وتعتبر سويسرا من أبرز هذه الدول. ويعتبر المغرب من بين الدول التي انتهجت نظام السر المهني البنكي النسبي، حيث نظمه في القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها ، بموجب المادتين 180 و181 منه، إذ أقر المبدأ العام بضرورة الحفاظ على السر المهني، وأحال على معاقبة كل مخالفة لأحكامها على مقتضيات الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي . غير أنه بمقتضى المادة 181 من هذا القانون لا يجوز الاحتجاج بالسر المهني على بنك المغرب وعلى السلطة القضائية العاملة في إطار مسطرة جنائية وعلى أي سلطة تابعة لدول أبرمت اتفاقية ثنائية مع المملكة المغربية تنص على تبادل المعلومات في المجال الضريبي. وفي هذه الحالة لا تكون هناك أي إمكانية لمتابعة المفشي بالسر على أساس الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي. ثانيا :الإجراءات الرقابية للمؤسسات البنكية ابتدعت الأبناك في إطار حماية أمانها وسلامتها وسمعتها ومصداقية النظم المصرفية قاعدة "اعرف عميلك"، وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات الواجب اتخاذها بخصوص الزبناء تضمنها قرار لوزير المالية ، أهمها : 1ـ تحديد هوية عملائها ومعرفتهم بشكل معمق، سواء من كان يرغب في فتح حساب، أيا كان نوعه، أو استئجار خزانة حديدية، أو يلجأ إلى خدماتها لتنفيذ أي عملية أخرى، وإن كانت ذات طابع عرضي، مثل تحويل الأموال. ويكون ذلك عن طريق إجراء لقاءات مع أصحاب طلبات فتح الحسابات، وعند الاقتضاء مع وكلائهم، واستنادا إلى البيانات الواردة في كل وثيقة تعريف رسمية. ويجب أن تكون هذه الوثيقة جارية الصلاحية ومسلمة من طرف سلطة مغربية مؤهلة أو من طرف سلطة أجنبية معترف بها، وأن تحمل صورة فوتوغرافية للعميل. وإذا تعلق الأمر بفتح حساب لمراسل بنكي أجنبي، فيجب إضافة إلى عناصر البيانات المطلوبة، التأكد بكافة الوسائل، ولا سيما من خلال استبيان، من أن : ـ المراسل المذكور يخضع لقانون يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يماثل على الأقل القانون المعمول به في المغرب؛ ـ منظومته الخاصة باليقظة تشكل بصفة منتظمة محل تقارير ومراقبة من طرف سلطة الإشراف التابع لها. 2ـ القيام بتتبع ومراقبة العمليات التي ينجزها العملاء ولاسيما تلك التي تشكل درجة كبيرة من المخاطر؛ وفي هذا الإطار تصنف مؤسسات الائتمان عملاءها إلى فئات مختلفة حسب نوعية المخاطر التي يمثلونها، والتي تحدد بناء علي الوثائق المدلى بها، وعلى نتائج اللقاءات، مع الأخذ بعين الاعتبار بعض المؤشرات مثل البلد الأصلي للعميل ومصدر الأموال وطبيعة النشاط المزاول وطبيعة العمليات التي سيتم إنجازها أو المنجزة والعرض التاريخي للحساب. وتضع لكل فئة حدودا دنيا يؤدي تجاوزها إلى اعتبار العمليات غير اعتيادية أو مشبوهة، خصوصا إذا كانت العملية : ـ يبدو أنها لا تتوفر على مبرر اقتصادي أو على غرض مشروع ظاهر؛ ـ تهم مبالغ تختلف تماما عن العمليات الاعتيادية التي ينجزها العميل؛ ـ تتم في ظروف غير معتادة من التعقيد ؛ ـ منجزة من وسطاء مهنيون لحسابهم الخاص أو لحساب زبنائهم سواء كانوا أشخاصا ذاتيين أو معنويين، أو من طرف أشخاص يكون عنوانهم البريدي موطنا لدى الغير أو في صندوق بريد أو لدى شبابيك المؤسسة أو يقومون بتغيير عنوانهم باستمرار. 3ـ حفظ وتحيين الوثائق المتعلقة بالعملاء والعمليات التي يقومون بها لمدة عشر سنوات، وذلك ابتداء من تاريخ تنفيذها. ويجب أن تمكن طريقة تنظيم حفظ الوثائق على الخصوص من إعادة جمع كل المعاملات وموافاة الهيئات المؤهلة، داخل الآجال المحددة، بالمعلومات التي تطلبها. 4ـ ويجب على مؤسسات الائتمان أيضا تحسيس مستخدميها وتكوينهم في ما يخص تقنيات رصد العمليات ذات الطابع غير الاعتيادي أو المشبوه والوقاية منها. يترتب عن كل عملية تعتبر غير اعتيادية أو مشبوهة إعداد تقرير يوجه إلى المسؤول عن الهيكل المتخصص لدى البنك لتدبير المنظومة الداخلية لليقظة، والذي يتولىلى وجه الخصوص بما يلي : ـ ضمان التواصل مع وحدة معالجة المعلومات المالية؛ ـ مركزة ودراسة تقارير الوكالات عن العمليات ذات الطابع غير الاعتيادي أو المشبوه؛ ـ القيام بتتبع خاص للحسابات التي تسجل عمليات تعتبر غير اعتيادية أو مشبوهة؛ ـ إطلاع إدارة المؤسسة باستمرار على العملاء الذين يشكلون درجة عالية من المخاطر الفقرة الثانية : دور المؤسسات القضائية في مكافحة تمويل الإرهاب دفعت الأحداث التي عرفتها مدينة الدار البيضاء في 16 مايو 2003 إلى التعجيل بإصدار القانون رقم 03-03 بتاريخ 28 مايو 2003 المتعلق بمكافحة الإرهاب ، والذي أهل مجموعة من الجهات القضائية للتصدي لجريمة تمويل الإرهاب بأن خول لها مجموعة من الصلاحيات. أولا : الجهات القضائية المكلفة بمكافحة تمويل الإرهاب خول المشرع مكافحة تمويل الإرهاب لمجموعة من الجهات القضائية وهي كل من النيابة العامة وقضاء التحقيق وقضاء الحكم. 1ـ النيابة العامة إن تعزيز التعاون بين السلطات القضائية وأجهزة الرقابة المالية في ميدان قمع تمويل الإرهاب يجد صداه في مجال قانون المسطرة الجنائية بمقتضى المادة 1-595 وما بعدها، والتي فرضت رقابة قبلية صارمة على تحركات الأموال، بحيث يجوز للوكيل العام للملك بمناسبة إجراء بحث قضائي أن يطلب المعلومات الخاصة بكل عمليات وحركات أموال يشتبه في أن لها علاقة بتمويل الإرهاب . وذلك عبر التواصل مع المؤسسات البنكية بمساعدة بنك المغرب ، ويجب على هذه المؤسسات، طبقا للمادة 4-595 من قانون المسطرة الجنائية، أن تستجيب لطلبات الوكيل العام للملك وتقديم المعلومات المطلوبة منها داخل أجل أقصاه 30 يوما من تاريخ التوصل بالطلب. ويمكن لهذه السلطات الاطلاع على جميع الوثائق والمعلومات الضرورية للقيام بمهامها، دون أن يكون للأبناك أية صلاحية في رفض الطلب، استنادا إلى مبدأ الحفاظ على الأسرار المالية لعملائها. وبطبيعة الحال، فإذا ما التزمت الأبناك ونفذت طلبات الوكيل العام للملك، فإنه لا يمكن متابعتها بمقتضيات الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي، ولا مواجهتها بأي دعوى قضائية. وإذا كان المشرع المغربي قد أجاز لبنك المغرب وللأبناك الخاضعة لمراقبته عدم الالتزام بمبدأ السر المهني وذلك وفقا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 4-595 فإنه أكد من خلال المادة 9-595 من قانون المسطرة الجنائية على أنه " يجب على كل الأشخاص الذين يشاركون في معالجة المعلومات المالية وفي مكافحة التحركات المرتبطة بتمويل الإرهاب وبصفة عامة، على جميع الأشخاص الذين يطلب منهم، بأي صفة من الصفات، الإطلاع على تلك المعلومات أو استغلالها أن يتقيدوا تقيداً تاماً بكتمان السر المهني تحت طائلة العقوبة المنصوص عليها في الفصل 446 من القانون الجنائي". وقد هدف المشرع إلى إحاطة حالة الاشتباه بالسرية التامة لذلك منع العاملين بالبنك من إحاطة العملاء بطبيعة الإجراءات التي تتخذ بشأن أموالهم تحت طائلة التعرض للعقوبات المنصوص عليها في الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي. وهذا ما أكده المشرع المغربي كذلك من خلال المادة 10-595 من ق قانون المسطرة الجنائية . 2ـ قاضي التحقيق وهيئة الحكم خول المشرع كذلك لقاضي التحقيق ( أ ) وهيئة الحكم ( ب ) صلاحية ممارسة نفس السلطات كلما قامت لديهما شبهات حول تحركات أموال مخصصة لخدمة الأعمال الإرهابية. أ - قاضي التحقيق منح المشرع المغربي لقاضي التحقيق صلاحية ممارسة نفس اختصاصات الوكيل العام للملك المتعلقة بالتحري بشأن أموال الإرهاب، وذلك بمقتضى المواد 1-595 من ق قانون المسطرة الجنائية وما بعدها حيث يمكنه على غرار الوكيل العام للملك أن يطلب من المؤسسات الائتمانية موافاته بمختلف المعلومات المرتبطة بتحركات أموال يشتبه في علاقتها بالإرهاب، وله كذلك حسب المادة 2-595 أن يتخذ مختلف التدابير الرامية إلى تجميد وحجز هذه الأموال إما بمفرده أو بمساعدة بنك المغرب. وبمقتضى المادة 4-959 فإنه لا يجوز للمؤسسات البنكية السالفة الذكر، أن تواجهه بمبدأ الحفاظ على السر المهني البنكي. وقاضي التحقيق يتمتع بسلطات واسعة في إطار القانون، حيث أجازت له المادة 85 من قانون المسطرة الجنائية اتخاذ كل الإجراءات التي يراها صالحة لاستجلاء حقيقة الوقائع موضوع المتابعة، ومن جهة أخرى فإن هيئة التحقيق غالبا ما تتوفر على كفاءة وتجربة مهنية، تمكنها من جمع الأدلة وتمحيصها في سرية تامة قبل إحالة المعني بالأمر على المحاكمة. ب- هيئة الحكم منح المشرع بمقتضى قواعد قانون المسطرة الجنائية لهيئة الحكم نفس الصلاحيات الممنوحة للوكيل العام للملك ولقاضي التحقيق المتعلقة بالتحري بشأن أموال الإرهاب. وتستند هيئة الحكم في ممارستها لهذه الصلاحيات على مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 362 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه: "... يمكن للمحكمة أن تأمر بإجراء تحقيق تكميلي، وفي هذه الحالة تعين أحد أعضائها للقيام بالتحقيق وفقا لمقتضيات القسم الثالث من الكتاب الأول من هذا القانون...". فبمقتضى هذه المادة يكون لهيئة الحكم كلما رأت أن القضية المحالة عليها ليست جاهزة أن تنتدب قاضيا من هيئتها قصد القيام بكل الإجراءات الضرورية لاستكمال ملف القضية، وذلك بالنظر من جهة إلى أن جلسة الحكم لا تسمح بالإفاضة في البحث عن كل العناصر والوقائع اللازمة لإصدار الحكم، ومن جهة أخرى إلى كون المشرع منع بمقتضى المادة 287 من قانون المسطرة الجنائية المحكمة من إصدار قراراتها إلا بناء على حجج مقنعة ونوقشت أمامها، ومن ثم فإن هيئة الحكم كلما كانت بصدد مناقشة قضية تتعلق بجريمة تمويل الإرهاب، ورأت ضرورة لذلك، أن تنتدب أحد أعضائها للقيام بتحقيق تكميلي، قصد استكمال المعلومات المتعلقة بالأرصدة المالية للمتهمين للتأكد من مدى صلتها بالجريمة محل المحاكمة من عدمه، وتجميع وحجز هذه الأرصدة إذا رأت مبررا لذلك. ثانيا : الصلاحيات المخولة للجهات القضائية المكلفة بمكافحة تمويل الإرهاب منح المشرع المغربي الهيئات القضائية السابقة في إطار قمع تمويل الإرهاب مجموعة من الصلاحيات القانونية التي يتم تفعيلها كلما ثبتت الشبهات القائمة لدى الهيئات المكلفة بالتحري، ومنها ما يتعلق بالتحري وإمكانية تجميد الحسابات البنكية التي تحوم حولها الشبهات، وكذا حجزها بين يدي الجهة المتواجدة لديها لمنع صاحبها من التصرف فيها، بالإضافة إلى التعاون القضائي الدولي في محاربة التمويل الإرهاب. 1ـ الصلاحيات المتعلقة بالتحري أ- سحب جواز سفر الشخص المشتبه فيه وإغلاق الحدود في حقه يمكن للجهات القضائية المكلفة بمكافحة تمويل الإرهاب سحب جواز سفر الشخص المشتبه فيه وإغلاق الحدود في حقه إذا اقتضت ذلك ضرورة البحث التمهيدي ، وذلك لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، ويمكن تمديد هذا الأجل إلى غاية انتهاء البحث التمهيدي إذا كان الشخص المعني هو المتسبب في تأخير إتمامه . وينتهي مفعول إجراءي إغلاق الحدود وسحب جواز السفر في كل الأحوال بإحالة القضية على هيئة الحكم أو التحقيق المختصة أو باتخاذ قرار بحفظ القضية، ويوضع حد لإغلاق الحدود ويرد جواز السفر إلى المعني بالأمر فور انتهاء مفعول الإجراءين. ب- تفتيش المنازل خارج الأوقات القانونية سمح المشرع كلما تعلق الأمر بجريمة إرهابية، واقتضت ذلك ضرورة البحث أو حالة الاستعجال القصوى، أو إذا كان يخشى اندثار الأدلة، فإنه يمكن الشروع في تفتيش المنازل أو معاينتها بصفة استثنائية خارج الأوقات المحددة في المادة 62 من قانون المسطرة الجنائية قبل الساعة السادسة صباحاً أو بعد التاسعة ليلاً . ويمكن أيضا للنيابة العامة أن تأذن كتابة بإجراء التفتيش أو الحجز بمنزل امتنع صاحبه عن إعطاء موافقته أو تعذر الحصول عليها، ويكون ذلك بحضور الشخص المعني بالأمر، وفي حالة امتناعه أو تعذر حضوره فبحضور شخصين من غير مرؤوسي ضابط الشرطة القضائية . ج- التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد إذا كانت المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية قد منعت التقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها أو أخذ نسخ منها أو حجزها ، إلا استثنى من ذلك بعض الجرائم بالنظر لخطورتها ومن بينها الجريمة الإرهابية حيث يمكن الأمر بالتقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها أو حجزها ويجب أن يتضمن المقرر الذي يتخذ في هذه الحالة كل العناصر التي تعرف بالمكالمة الهاتفية أو بالمراسلة المراد التقاطها وتسجيلها أو أخذ نسخ منها أو حجزها، والجريمة التي تبرر ذلك والمدة التي تتم فيها العملية، والتي لا يمكن أن تتجاوز أربعة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة ضمن نفس الشروط. 2- تجميد التحركات المالية يمكن للسلطات القضائية السالفة الذكر بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 2-595 من قانون المسطرة الجنائية الأمر بتجميد أرصدة الحسابات البنكية المشتبه في علاقتها بتمويل الإرهاب، مع إمكانية طلب مساعدة بنك المغرب لتنفيذ ذلك . وقد أشارت المادة 3-595 من قانون المسطرة الجنائية إلى أنه "يقصد بالتجميد المنع المؤقت لنقل الممتلكات أو تبديلها أو التصرف فيها أو تحريكها أو إخضاعها للحراسة". وتتميز عملية التجميد بخصائص أساسية، أهمها : ـ إن التجميد يهم العمليات والتحركات المالية التي يشتبه في علاقتها بالتمويل الإرهابي. ـ إن الأمر بتجميد التحركات المالية يبقى حكرا على السلطات القضائية المشار إليها بالمادة 1-595 من قانون المسطرة الجنائية، وهي على التوالي الوكيل العام للملك، وقاضي التحقيق، وهيئة الحكم المحال عليها ملف له علاقة بجريمة إرهابية. ـ إن تجميد التحركات المالية يكتسي طابعا مؤقتا وهو ما يفيد كون العملية ذاتها تظل مجرد إجراء احتياطي يهدف إلى عقل الأموال المشتبه في علاقتها بتمويل الإرهاب والحيلولة دون التصرف فيها أو تفويتها لفائدة الأغيار. 3- حجز الأموال المشتبه في علاقتها بتمويل الإرهاب قد تكشف خبايا البحث التمهيدي ارتباط الجريمة الإرهابية بتمويلات أو اعتمادات مالية رصدت لها أو كانت ستشكل مصدرا تمويليا لها، ويمكن إثر ذلك حجز هذه الأموال بين يدي الجهة المتواجدة لديها الأموال المذكورة، وذلك كإجراء احتياطي غايته عقل الأموال المرصودة للتمويل الإرهابي، ومنع التصرف فيها طيلة مدة سريان مفعول قرار الحجز، وينطبق على هذا النوع من الإجراءات التحفظية بصدد الجرائم الإرهابية نفس الشروط الموضوعية والإجراءات النظامية المعتمدة في تجميد التحركات المالية كما تترتب عنها نفس الآثار القانونية المشار إليها سابقا . 4- التعاون القضائي الدولي للتصدي لتمويل الإرهاب تتميز الجريمة الإرهابية بأنها تتجاوز الرقعة الترابية لمسرح اقترافها لتمتد شبكتها إلى مجموعة من الدول، حيث تتوزع خلالها الأدوار بين التخطيط والتدبير والتنفيذ الفعلي، وهو ما حدا ببعض المهتمين إلى تصنيف الجريمة الإرهابية ضمن ما أضحى يصطلح على تسميته بعولمة الجريمة. وإعمالا لمقتضيات الاتفاقية الدولية في مجال مكافحة تمويل الإرهاب المنظمة إليها المملكة المغربية بتاريخ فاتح ماي 2003 يجوز للحكومة بطلب من دولة أجنبية إحالة طلب هذه الأخيرة إلى الوكيل العام للملك لاتخاذ ما يراه مناسبا وقانونيا بخصوص كل ما هو مرتبط بتمويل الإرهاب . ويمكن للسيد الوكيل العام للملك، طبقا لمقتضيات المادة 6-595 من قانون المسطرة الجنائية، وبناء على إحالة الطلب عليه من طرف الحكومة أن يباشر البحث والتحري فيما يتعلق بعائدات إحدى جرائم تمويل الإرهاب والممتلكات التي استخدمت أو كانت معدة لاستخدامها في ارتكاب الجريمة الإرهابية، كما يمكن له عند الاقتضاء تجميد الممتلكات أو حجزها، واتخاذ جميع الإجراءات التحفظية بشأنها، وله أيضا رفض الطلب إذا كان من شأن تنفيذه المس بسيادة الدولة أو أمنها أو مصالحها الأساسية أو النظام العام، أو أن يكون سبق هذا الطلب قرار قضائي نهائي متعلق بهذا الموضوع. بالإضافة إلى الإجراءات المشار إليها أعلاه المبنية على طلب الدولة الأجنبية، فإن الوكيل العام للملك قد يحال عليه طلب تنفيذ حكم قضائي أجنبي له علاقة بموضوع تمويل الإرهاب، وله أن يرفض الطلب إذا لم يكن المقرر الأجنبي تتوفر فيه ضمانات كافية لحماية حقوق الدفاع أو كون الأفعال المقدم على أساسها الطلب لا علاقة لها بتمويل الإرهاب. ويجب أن يكون المقرر الأجنبي نهائيا وقابلا للتنفيذ، وأن تكون الممتلكات المراد حجزها أو تجميدها أو مصادرتها قابلة للحجز وفق التشريع المغربي، مع مراعاة حقوق الأغيار. المبحث الثاني : عقوبة جريمة تمويل الإرهاب ميز المشرع في جريمة تمويل الإرهاب بين العقوبات المطبقة على الشخص الطبيعي و الشخص المعنوي ( المطلب الأول ) إلا أنه مع ذلك افرد هذه الجريمة بظروف التشديد وظروف التخفيف ( المطلب الثاني ) المطلب الأول : العقوبة المطبقة على الشخص الطبيعي والشخص المعنوي . سار المشرع المغربي على غرار التشريعات المقارنة وخص الشخص المعنوي إلى جانب الشخص الطبيعي بعقوبات تتناسب وطبيعته القانونية، حيث نص الفصل 127 مجموعة القانون الجنائي على أنه لا يمكن أن يحكم على الأشخاص المعنوية إلا بالعقوبات المالية والعقوبات الإضافية الواردة في الأرقام 5 و 6 و7 من الفصل 36 مجموعة القانون الجنائي ويجوز أيضا أن يحكم عليها بالتدابير الوقائية العينية الواردة في الفصل 62 مجموعة القانون الجنائي. وفيما يخص جريمة تمويل الإرهاب فلقد خصص المشرع المغربي من خلال الفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي عقوبات خاصة بالشخص الطبيعي وأخرى خاصة بالشخص المعنوي, الفقرة الأولى : العقوبة المطبقة على الشخص الطبيعي إن العقوبات المقررة لجريمة تمويل الإرهاب إذا ما ارتكبت من طرف شخص طبيعي إما أن تكون عقوبات أصلية، أو عقوبات إضافية. أولا : العقوبات الأصلية تكون العقوبة أصلية عندما يسوغ الحكم بها وحدها دون أن تضاف إلى عقوبة أخرى . وقد ميز المشرع المغربي بين العقوبات الأصلية الجنائية والجنحية والضبطية وخصص المشرع المغربي لجريمة تمويل الإرهاب عقوبة جنائية، وحددها طبقا للفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي في السجن من 5 سنوات إلى 20 سنة. وقد جعل المشرع هذه العقوبات بين حد أدنى وحد أقصى، الأمر الذي يسمح للمحكمة باختيار الجزاء المناسب لكل جريمة بما يسمح بتحقيق مصلحة المجتمع في الحفاظ على أمنه وسلامته، وزجر الجاني وردعه بعقاب يناسب الجرم الذي ارتكبه، وشخصية المجرم من حيث حالته النفسية والذهنية وبالإضافة إلى هذه العقوبة السجنية، عاقب المشرع المغربي على إتيان الأفعال المكونة لجريمة تمويل الإرهاب بغرامة مالية محددة بين حد أدنى مقدر في 000 500 درهم وحد أقصى مقدر في 000 000 2 درهم، وجعل هذه العقوبة إلزامية، وليس تخييرية بحيث يتعين على المحكمة أن تحكم بها إلى جانب العقوبات السالبة للحرية. ثانيا : العقوبات الإضافية تكون العقوبات إضافية عندما لا يسوغ الحكم بها وحدها أو عندما تكون ناتجة عن الحكم بعقوبة أصلية وهي لا تلحق المحكوم عليه إلا إذا شملها الحكم المتضمن للعقوبة الأصلية. وهي إما جوازية أي للقاضي أن ينص عليها في حكم أو لا ينص عليها (تكميلية)، وإما أن تكون وجوبية يتعين عليه الحكم بها (تبعية) وإلا كان الحكم الصادر عنه ناقصا يستوجب النقض. وقد حصر المشرع المغربي العقوبات الإضافية في الفصل 36 من مجموعة القانون الجنائي وحددها في سبع عقوبات ، وسنقتصر على أهمها بالنظر لعلاقته بجريمة تمويل الإرهاب : 1- الحجر القانوني والتجريد من الحقوق الوطنية : وهاتين العقوبتين تطبقان كنتيجة حتمية للحكم بعقوبة أصلية ودون حاجة إلى النطق بها بصريح الفصل 37 من مجموعة القانون الجنائي . 2- الحرمان المؤقت من ممارسة حق أو عدة حقوق من الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية : وتتحدد هذه الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية التي يحرم منها المدان بجريمة تمويل الإرهاب في الحقوق الواردة في الفصل 26 من مجموعة القانون الجنائي، وهي عزل المحكوم عليه وطرده من الوظائف العمومية وكل الخدمات والأعمال العمومية بالإضافة إلى حرمانه من الحق في الانتخاب وسائر الحقوق الوطنية والسياسية وحق التحلي بأي وسام وعدم الأهلية للقيام بمهمة عضو محلف أو خبير أو الإدلاء بأي شهادة أمام القضاء إلا على سبيل الإخبار فقط وكذلك عدم الأهلية لأن يكون المحكوم عليه وصيا أو مشرفا على غير أولاده، وأخيرا الحرمان من حق حمل السلاح ومن الخدمة في الجيش والقيام بالتعليم أو إدارة مدرسة أو العمل كأستاذ أو مدرس أو مراقب وقد نص الفصل 86 من مجموعة القانون الجنائي على أنه :" يجب على المحكمة أن تصرح بعدم الأهلية لمزاولة جميع الوظائف والخدمات العمومية في الأحوال التي نص فيها القانون على ذلك أو إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية . ويجوز الحكم بهذا التدبير في غير الأحوال المشار إليها، عندما تلاحظ المحكمة وتصرح بمقتضى نص خاص بالحكم أن الجريمة المرتكبة لها علاقة مباشرة بمزاولة الوظيفة أو الخدمة وأنها تكشف عن وجود فساد في خلق مرتكبها لا يتلاءم ومزاولة الوظيفة أو الخدمة على الوجه المرضي. ويحكم بعدم الأهلية لمدة لا يمكن أن تفوق عشر سنوات، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك". 3- الحرمان النهائي أو المؤقت من الحق في المعاش : وينتج الحرمان النهائي من الحق في المعاش عن كل حكم بالسجن المؤبد أو الإعدام و يطبق هذا الحرمان بحكم القانون. أما الحرمان المؤقت فهو جوازي إذا تعلق الأمر بعقوبة جنائية غير الإعدام أو المؤبد 4- المصادرة الجزئية : وهي حسب الفصل 42 من مجموعة القانون الجنائي تمليك الدولة جزء من أملاك المحكوم عليه أو بعض أملاك له معينة، والمصادرة كعقوبة إضافية لا يمكن الحكم بها إلا إذا صدر الحكم بالمؤاخذة حيث لا يجوز الحكم بها على من قضت المحكمة ببراءته وإذا كان قد المشرع جعل المصادرة الجزئية لأملاك المحكوم عليه أو بعض أملاك له معينة جوازية يمكن للمحكمة أن تحكم بها، فإنه جعلها وجوبية، مع حفظ حق الغير، في حالة الحكم بالمؤاخذة من أجل جريمة إرهابية، بالنسبة للأدوات والأشياء التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة أو التي تحصلت منها وكذلك المنح وغيرها من الفوائد التي كوفئ بها مرتكب الجريمة أو كانت معدة لمكافأته . فقد نص الفصل 1-44 على أنه : "يمكن للمحكمة أن تحكم بالمصادرة المنصوص عليها في الفصل 42 من هذا القانون إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية. يجب دائما الحكم بالمصادرة المذكورة في الفصلين 43 و44 من هذا القانون، مع حفظ حق الغير، في حالة الحكم بالمؤاخذة من أجل جريمة إرهابية". وقد أكد الفصل 1-4-218 من مجموعة القانون الجنائي نفس الإلزام إذ نص على أنه يجب الحكم في حالة الإدانة من أجل جريمة تمويل الإرهاب أو من أجل جريمة إرهابية، بالمصادرة الكلية للأشياء والأدوات والممتلكات التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة والعائدات المتحصلة منها أو القيمة المعادلة لتلك الأشياء والأدوات والممتلكات والعائدات مع حفظ حق الغير حسن النية. وحدد الفصل 2-4-218 من القانون نفسه المقصود بالعائدات والممتلكات بأنها : - العائدات: جميع الممتلكات المتحصلة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصلين المذكورين؛ - الممتلكات: أي نوع من الأموال والأملاك، المادية أو غير المادية، المنقولة أو العقارية ،المملوكة لشخص واحد أو المشاعة وكذا العقود أو الوثائق القانونية التي تثبت ملكية هذه الممتلكات أو الحقوق المرتبطة بها، أيا كانت دعامتها، بما فيها الإلكترونية أو الرقمية. 5- عقوبات أخرى أ - تعيين مكان الإقامة يجوز للمحكمة، التي تقضي على الجاني بالعقوبة من أجل جريمة إرهابية، أن تعين له مكانا للإقامة أو دائرة محصورة لا يجوز له الابتعاد عنها بدون رخصة، طوال المدة التي يحددها الحكم على أن لا تتجاوز 10 سنوات .. وتبتدئ مدة الإجبار على الإقامة من يوم انتهاء العقوبة الأصلية. ويبلغ الحكم بتحديد الإقامة إلى الإدارة العامة للأمن الوطني التي يجب عليها أن تتولى مراقبة الإقامة المحددة. ويسوغ لها، إذا اقتضى الحال، أن تسلم للمحكوم عليه رخصا مؤقتة للتنقل داخل القطر. ب : المنع من الإقامة إذا كان المشرع قد أجاز في الفصل 72 من مجموعة القانون الجنائي دائما الحكم بالمنع من الإقامة في حالة إصدار عقوبة من أجل فعل يعده القانون جناية، واشترط في حالة إصدار عقوبة بالحبس من أجل جنحة، أن يكون الحكم بالمنع من الإقامة مقررا في النص الذي يعاقب على تلك الجنحة، فإنه أجاز في الفقرة الثالثة من هذا الفصل دائما الحكم بالمنع من الإقامة إذا صدر حكم بعقوبة حبسية من أجل جريمة إرهابية. الفقرة الثانية : العقوبات المطبقة على الشخص المعنوي أقر المشرع المغربي مسؤولية الشخص المعنوي من خلال الفصل 127 من مجموعة القانون الجنائي، وكرس هذا التوجه في إطار قانون مكافحة الإرهاب 03-03 حيث نص على المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية عن بعض الجرائم الإرهابية التي يرتكبونها ومن بينها جريمة تمويل الإرهاب المنصوص عليها في الفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي، وخصهم بعقوبة مالية، هي عبارة عن الحكم "... بغرامة من 1.000.000 إلى 5.000.000 درهم دون الإخلال بالعقوبات التي يمكن إصدارها على مسيريها أو المستخدمين العاملين بها المتورطين في الجرائم ..." مع مضاعفتها إذا اقترن ارتكاب الجريمة بأحد ظروف التشديد الواردة في نفس الفصل. وينصرف مفهوم المسير إلى كل شخص يتوفر على سلطة الإدارة والتدبير والتسيير وتوجيه أنشطة المؤسسة لتحقيق أهدافها المرجوة. وهم إما مسيرون قانونيون ، أو فعليون . وإلى جانب المسيرين يطال العقاب كذلك المستخدمين الذين يعملون تحت إمرة الشخص المعنوي إذا ارتكبوا فعلا من الأفعال المنصوص عليها في الفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي كما أقر المشرع في الفصل 1-4-218 من مجموعة القانون الجنائي مصادرة ممتلكات الشخص المعنوي كليا أو جزئيا كعقوبة إضافية إلى جانب عقوبة الغرامة. المطلب الثاني : ظروف التشديد والتخفيف في جريمة تمويل الإرهاب إذا كان المشرع قد تدخل في عدد من الجرائم ليقرر إما رفع العقوبة أو تخفيفها أو الإعفاء منها تماما لأسباب إما شخصية عائدة للمجرم أو مادية عائدة لظروف ارتكاب الجريمة، فيقدر تأثيرها في مقدار العقوبة، فإنه اقتصر فيما يخص جريمة تمويل الإرهاب على تحديد ظروف التشديد على سبيل الحصر، ولم يتحدث عن أسباب الإعفاء وظروف التخفيف، وإنما ترك هذه الأخيرة للسلطة التقديرية للمحكمة. الفقرة الأولى : ظروف التشديد في جريمة تمويل الإرهاب حدد المشرع ظروف التشديد في جريمة تمويل الإرهاب في الفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي على سبيل الحصر، ورفع عقوبة السجن إلى عشر سنوات وإلى ثلاثين سنة، كما رفع الغرامة إلى الضعف، إذا توفر أحد هذه الظروف، وهي الظرف المرتبط بتسهيلات النشاط المهني، والظرف المرتبط بالعصابة المنظمة و حالة العود. أولا : الظرف المرتبط بتسهيلات نشاط مهني نص المشرع المغربي على استعمال التسهيلات التي توفرها مزاولة نشاط مهني في الفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي كظرف من ظروف التشديد الحصرية بالنسبة لجريمة تمويل الإرهاب، وذلك عندما يستغل الممول التسهيلات التي يوفرها له نشاطه المهني من أجل مد الإرهابيين بالأموال اللازمة لتنفيذ مشروعهم الإجرامي، وعلة التشديد في هذه الحالة ترجع إلى الثقة المفترضة في الجاني والمستمدة من النشاط المهني الذي يكون مؤهلا لمزاولته، ومفاد ذلك أن الموظف أو المهني الذي يستغل التسهيلات التي توفرها له الوظيفة التي يزاولها إنما يخل بواجب الثقة والأمانة التي ينبغي اتصافه بها، في أدائه لنشاطه المهني الذي يتولى تدبيره وينم عن عدم احترامه للقواعد المنظمة لهذه المهنة. وهذا الظرف هو ظرف عيني بموجب الفصل 130 من مجموعة القانون الجنائي لكونه يرتبط بالوقائع المادية للجريمة المرتكبة إذ أنها ترتكب في إطار مهني. وبالتالي فظرف التشديد يمتد ليشمل كل المساهمين والمشاركين في الجريمة حتى ولو كانوا يجهلونها. ويظهر أن القطاع البنكي والمؤسسات المالية من أكثر الميادين اتساعا لاستغلال تسهيلات النشاط المهني، وذلك بالنظر لما تتوفر عليه من سيولة ورؤوس أموال، وإمكانية لتسهيل عمليات الحصول على القروض بالنسبة للإرهابيين أو التغاضي عن التأكد والتحقق من هوية عملاء البنك، وفتح حسابات مجهولة الهوية لهم، وتجاهل عملياتهم المالية المشبوهة. فالبنك يتوجب عليه التعرف على العميل والتأكد من عدم تورطه بأي نشاطات غير قانونية، والتأكد من أن العمل غير مدرج على أي من قوائم الحظر ذات الصلة بجرائم الإرهاب. ثانيا : ظرف التشديد المرتبط بالعصابة المنظمة و حالة العود 1ـ ظرف التشديد المرتبط بعصابة منظمة أورد المشرع في الفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي من بين ظروف التشديد الظرف المرتبط بارتكاب الجريمة في إطار عصابة منظمة، وإن كان المشرع لم يورد تعريفا للعصابة المنظمة، والتي يرى بعض الفقه أن المعنى اللغوي لكلمة عصابة تقتضي تعددا في الأفراد المكونين للتجمع من جهة، ومن جهة أخرى فإن المنطق يستلزم بدوره أن يتعدد أفراد العصابة، بأن يصل إلى اثنين فما فوق . ثانيا: الظرف المرتبط بحالة العود يعتبر في حالة عود، طبقا للشروط المقررة في الفصل 154 وما بعده، من يرتكب جريمة بعد أن حكم عليه بحكم حائز لقوة الشيء المحكوم به، من أجل جريمة سابقة. وقد خرج المشرع فيما يخص جريمة تمويل الإرهاب عن القواعد العامة لحالة العود عند تحديده للعقوبة المقررة له في الفصل 4 -218 من مجموعة القانون الجنائي، فهو من جهة حافظ على الحد الأقصى المنصوص عليه في القواعد العامة لحالة العود والمتمثل في 30 سنة، إلا أنه جعل الحد الأدنى 10 سنوات عوض 20 سنة التي تقتضي بها القواعد العامة. الفقرة الثانية : حدود الإعفاء وظروف التخفيف في جريمة تمويل الإرهاب ذكر القانون الجنائي الأسباب التي تؤدي إلى تخفيف العقاب وهي على نوعين: النوع الأول، ويسمى بالأعذار القانونية، وهي محددة حصرا في مجموعة القانون الجنائي، وقد تؤدي إلى الإعفاء من العقوبة . والنوع الثاني يسمى بالظروف القضائية المخففة أو ظروف التخفيف القضائية. أولا : حدود الإعفاء في جريمة تمويل الإرهاب ينص الفصل 9-218 من مجموعة القانون الجنائي على أنه " يتمتع بعذر معف من العقاب طبق الشروط المنصوص عليها في الفصول 143 إلى 145 من هذا القانون، الفاعل أو المساهم أو المشارك الذي يكشف قبل غيره للجهات القضائية أو الأمنية أو الإدارية أو العسكرية عن وجود اتفاق جنائي أو وجود عصابة لأجل ارتكاب جريمة إرهابية ، إذا قام بذلك قبل محاولة ارتكاب الجريمة التي كانت موضوع الإتفاق أو هدف العصابة و قبل اقامة الدعوى العمومية ...." . وينتقد بعض الفقه هذا الموقف الذي يجده غير مؤسس من الناحية القانونية على أي سند ، لأن المشرع اعتبر جريمة تمويل الإرهاب جريمة شكلية، فهي تقوم قانونا بمجرد إعطاء الأموال للتنظيم الإرهابي، ولم يشترط استعمالها من طرف هذا التنظيم، وبذلك لا يشفع للجاني ندمه وتراجعه بإخباره للسلطات المختصة عن المخطط الإجرامي للتنظيم الإرهابي والوقوف في وجه تحقق النتيجة الإجرامية، لكون هذه الأخيرة لا تعتبر عنصرا من عناصر الركن المادي في هذه الجريمة الشكلية طبقا للفصل 4-218 من مجموعة القانون الجنائي. ولكن بالرغم من ذاك، فإن تدخل الجاني ووقوفه دون تحقق المخطط الإجرامي وإنقاذه لأفراد المجتمع مما قد يلحقهم من أخطار هذا المخطط الذي قد يكون عبارة عن تفجيرات أو إثارة أعمال للرعب داخل أفراد المجتمع، ينبغي أن يجازى من طرف المشرع بالإعفاء من العقاب لأن عدم اتخاذ هذه الخطوة من طرف المشرع سيكون دافعا للجاني للتمادي في أعمال التمويل والتكتم والدفاع عن التنظيم حتى آخر رمق، لأنه إذا كان الردع أمرا مألوفا لمواجهة الجريمة بصفة عامة والإرهابية بصفة خاصة، فإن قوانين المكافأة و التشجيع على التعاون مع السلطات أصبح لها دور بارز، وتمثل أحد ركائز السياسة التشريعية في مواجهة جرائم الإرهاب. ثانيا : ظروف التخفيف القضائية في جريمة تمويل الإرهاب أجاز المشرع المغربي للمحكمة الزجرية في الفصل 146 من مجموعة القانون الجنائي إذا تبين لها بعد انتهاء المرافعة في القضية المطروحة عليها أن الجزاء المقرر للجريمة في القانون قاس بالنسبة لخطورة الأفعال المرتكبة أو بالنسبة لدرجة إجرام المتهم، أن تمنحه التمتع بظروف التخفيف، إلا إذا وجد نص قانوني يمنع ذلك، مع التزامها بتعليل قرارها. وآثار الظروف المخففة شخصية بحتة، فلا تخفف العقوبة إلا بالنسبة المحكوم عليه الذي منح التمتع بها . ويمكن للمحكمة طبقا للفصل 147 من مجموعة القانون الجنائي إذا توافرت ظروف التخفيف بالنسبة للظروف المحيطة بارتكاب جريمة تمويل الإرهاب أن تنزل بالعقوبة السجنية إلى ما بين سنة وخمس سنوات حبسا، وأن ينزل بالغرامة إلى 200 درهم أو يحذفها. وهذا ما ذهبت إليه غرفة الجنايات بمحكمة الإستئناف بالرباط في عدد من الملفات المتعلقة بقضايا الإرهاب، ومن بينها الملف الذي توبع فيه المتهم بكونه عضوا في التيار السلفي الجهادي، وأنه كان يقوم بإيواء أفراد التيار ببيته، ومساعدتهم ماديا في القيام بأعمالهم الإرهابية . وبعد أن تبين للهيئة القضائية أن جميع التهم المنسوبة إليه ثابتة في حقه، وينبغي مؤاخذته من أجلها، وحيث قررت المحكمة تمتيعه بظروف مخففة نظرا لعدم سوابقه وظروفه الاجتماعية قامت بإدانة المتهم من أجل ما نسب إليه والحكم عليه بثلاث سنوات حبسا نافذا. خاتمــة أضحى تمويل الإرهاب من الموضوعات التي تفرض نفسها بقوة ضمن المنظومة التشريعية والفقهية وذلك لترسخ اقتناع مفاده أنه من العبث الحديث عن الجريمة الإرهابية دون استحضار أهم نقطة ترتكز عليها في ميلادها واستمرارها ألا وهي عنصر التمويل والتكفل المالي لأن التنظيمات الإرهابية تستمد قوتها بالدرجة الأولى من مصادر تمويلها فمتى تنوعت وتعددت مصادر التمويل اشتدت خطورة المنظمات الإرهابية والجرائم التي ترتكبها، وأن الذين يقومون بأنشطة داعمة للإرهاب هم إرهابيون لا يختلفون كثيرًا عن أولئك الذين ينفذون العمليات الإرهابية. وقد دفعت هذه الأهمية المغرب إلى تجريم تمويل الإرهاب على غرار التشريعات المقارنة من خلال القانون 03-03. وقد أبرزت هذه الدراسة عدة نتائج أهمها: 1ـ اعتبر المشرع المغربي جريمة تمويل الإرهاب جريمة مستقلة، وإن كان يوجد نوع من التداخل بينها وبين بعض الجرائم الأخرى كجريمة غسل الأموال والجريمة المنظمة. 2- تعتبر جريمة تمويل الإرهاب جريمة شكلية يعاقب عليها بمجرد ارتكابها حتى ولو لم تستعمل هذه الأموال في الغرض الذي منحت من أجله وذلك بالنظر للخطورة التي تمثلها هذه الأموال لاعتبارها العصب الرئيسي للإرهاب 3ـ أفرد المشرع المغربي جريمة تمويل الإرهاب بمجموعة من الخصوصيات على مستوى المشاركة مما جعله يتعارض مع بعض القواعد العامة المنظمة لها . 4ـ توسع المشرع المغربي واعتبر مرتكبا لجريمة تمويل الإرهاب كل شخص ارتكب هذه الأفعال سواء قدم مساعدات مادية أو اقتصر على تقديم مشورات أو مساعدات فنية لكون هذه الأخيرة لا تقل خطورة عن الأولى. 5ـ تتطلب جريمة تمويل الإرهاب القصد الجنائي العام بعنصريه العلم والإرادة لتحققها عكس الجريمة الإرهابية التي تتطلب توافر القصد الجنائي الخاص إلى جانب القصد الجنائي العام لتحققها. 6ـ تزداد خطورة جريمة تمويل الإرهاب بالنظر إلى أنها جريمة دولية أي أنها جريمة عير وطنية ما يجعل ملاحقة مرتكبها عن طريق أجهزة العدالة الجنائية أمرا صعبا يتطلب التعاون الفعال بين الدول . وبناء على هذه النتائج نقترح مجموعة من التوصيات لعلها تنير طريق المشرع المغربي متى سنحت له الفرصة من أجل تعديل النصوص المنظمة لجريمة تمويل الإرهاب: 1ـ مراجعة الفصل 6-218 من مجموعة القانون الجنائي الذي يخص المشاركة في جريمة تمويل الإرهاب حتى يكون منسجما مع القواعد العامة للمشاركة. 2ـ حمل الدول ذات الأنظمة المالية والبنكية المرنة والتي تمثل مرتعا خصبا لأموال الإرهاب على تبني سياسة مالية دقيقة وشفافة لتفادي استقطاب أموال الجماعات الإرهابية إلى أراضيها . 3ـ ضرورة وضع ضوابط لسرية الحسابات المصرفية، بحيث تكفل للسلطات الأمنية والمالية الإطلاع عليها وفي الوقت نفسه تكفل حماية قانونية لسرية حسابات المودعين بحيث يتم تقييد الاطلاع على تلك الحسابات بقصره على فريق متخصص من رجال الشرطة القضائية يحدده القانون صلاحيته. وأن لا يتم الاطلاع عليها إلا بإذن من جهة قضائية. 4ـ ضرورة تفعيل آليات التعاون الدولي بين مختلف دول العالم بصورة واقعية. 5ـ مراجعة مقتضيات المادة السادسة من الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999 بكيفية تستثني الدعم المقدم لحركات التحرير والكفاح المسلح من نطاق الأعمال الإرهابية بالنظر إلى كون الصياغة الحالية تمنع على الدول المصادقة إمكانية التذرع بأي اعتبارات كيفما كان نوعها لتبرير الأعمال التي تعتبرها الاتفاقية أعمالا إرهابية، لاسيما وأن المادة الثالثة من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لعام 1998، قد استثنت عمليات الكفاح المسلح ضد الاحتلال من أن تشكل فعلا إرهابيا. 6ـ يتطلب مكافحة جرائم تمويل الإرهاب نشر الوعي بماهية هذه الجرائم وأضرارها. وذلك من خلال مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. 7ـ تشجيع المواطنين وحثهم على التعاون مع الأجهزة الأمنية بصفة عامة وأجهزة مكافحة الإرهاب بصفة خاصة، بحيث يصبح كل مواطن معنيا بالأمن العام. 8ـ تخليق الحياة العامة والخاصة للمواطنين. لائحة المراجع أولا : الكتب : 1. أحمد الخمليشي: شرح القانون الجنائي - القسم العام- مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،ط 1985 2. إدريس لـﮔريني: التداعيات الدولية الكبرى لأحداث 11 شتنبر من غزو أفغانستان إلى احتلال العراق، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش ط2005 3. خالد حامد مصطفى: جريمة غسل الأموال، دراسة مقارنة منشأة المعارف الإسكندرية، طبعة 2008 4. خالد كردودي: جريمة غسل الأموال على ضوء التشريع المغربي و القانون المقارن، مكتبة دار السلام الرباط، ط2008 5. سامي علي حامد عياد : تمويل الإرهاب ، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، طبعة 2007 6. سليمان أحمد ابراهيم: القواعد الجنائية للجريمة المنظمة والتعاون الدولي في سبيل مكافحتها، دار الكتاب الحديث، القاهرة،ط 2008 7. صالح السعد: التعاون الدولي في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ط 2008 8. الطاهر عطاف : السياسة الجنائية في مجال مكافحة جرائم الإرهاب، مطبعة البيضاوي، 2009 9. طلعت ابراهيم لطفي: العمل الخيري والإنساني في دولة الإمارات العربية المتحدة، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، ط 2004 10. عادل محمد السيوي: جريمة غسل الأموال ، الإدارة العامة للنشر، القاهرة، طبعة2008 11. عامر مصباح الجدال: الجريمة المنظمة، المفهوم والأنماط وسبل التوقي، إدارة الكتاب والنشر، ليبيا 2007 12. عبد السلام بوهوش، عبد المجيد الشفيق: الجريمة الإرهابية في التشريع المغربي، مع قراءة في الاتفاقيات الدولية، مطبعة الكرامة الرباط طبعة 2004 13. عبد القادر شهيب، ممولو الإرهاب في مصر، دار الهلال، دون ذكر مكان النشر ، ط 1994 14. عبد الله عبد الكريم عبد الله : الإطار القانوني لمكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب محليا ودوليا،مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية أبو ظبي طبعة 2008 15. عبد الله عبد الكريم عبد الله: الإطار القانوني لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب محليا ودوليا، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي ، طبعة 2008 16. عبد الواحد العلمي: القانون الجنائي المغربي، القسم العام، مطبعة النجاح الجديد الدار البيضاء الطبعة الثالثة 2009 17. عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي -القسم الخاص- ، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء،ط 2009 18. علاء الدين زكي، جريمة الإرهاب، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، طبعة 2010 19. فتوح عبد الله الشاذلي: قانون العقوبات، -القسم العام- دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، طبعة 1998 20. كوركيس يوسف داود: الجريمة المنظمة، الدار العلمية الدولية، دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان طبعة 2001 21. ليندا بن طالب : غسل الأموال وعلاقته بمكافحة الإرهاب، -دراسة مقارنة- دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، طبعة 2011 22. محمد أبو الفتح الغنام: مواجهة الإرهاب في التشريع المصري، -دراسة مقارنة- دار النهضة العربية القاهرة طبعة 1996 23. محمد السيد عرفة: تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، ط2009 24. نظام توفيق المجالي: شرح قانون العقوبات -القسم العام- دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان 2005 25. يوسف بنباصر: الجريمة الإرهابية بالمغرب وآليات المكافحة القانونية، ج الأول، مطبعة دار القلم، طبعة 2004 26. يوسف حسن يوسف: الجريمة المنظمة الدولية والإرهاب الدولي، القومي للإصدارات القانونية، عابدين 27. Jean LARGUIER , Droit Pénal général , Dalloz,France, Paris ,17 édition1999 ثانيا : المقالات : 1. إدريس النوازلي: الجريمة والعقاب أي دور؟ مجلة المحامي، العدد 49، مراكش 2. إدريس بلمحجوب: دور الأجهزة القضائية والمؤسسات المالية في مكافحة غسل الأموال، مجلة القضاء والقانون، العدد 151، 2005 3. عبد الجليل البكوش : الآليات القانونية المخففة للعقوبة " مجلة القضاء والتشريع" العدد 8 أكتوبر 2008 4. عبد الرحيم بلقاضي: أثر الجريمة الإرهابية على معايير التجريم والعقاب في القانون الجنائي المغربي، مجلة رحاب المحاكم، العدد الثامن، أكتوبر 2010 5. محمد الناجي: إشكالية السر المهني البنكي في ظل قانون غسل الأموال، مجلة الحقوق المغربية، العدد المزدوج 9-10، السنة الخامسة، ماي 2010 6. منتري مسعود: المنظومة القانونية لمكافحة الإرهاب في ظل المتغيرات الراهنة، مجلة التواصل، عدد 15، دجنبر 2005 7. Jean François THONY et Jean- Paul LABORDE : Chronique des nations Unies : Criminalité organisée et blanchiment , revue International de droit pénal , N 1 et 2 trimestre 1997 . 68 année