نقل الجلسات القضائية عن بعد عبر تقنية البت المباشر إعداد : الأستاذ عبد الإله مستاري الوكيل العام للملك بمحكمة الإستئناف بمراكش سابقا على اثر النقاش القانوني الدائر حاليا بشان نقل الجلسات القضائية عن بعدعبر تقنية البث المباشرر، يمكن القول من الوجهة المبدئية انه اذا كان من حق المندوبية السامية اتخاذ بعض الاجراءات الاحترازية لمجابهة انتشار بعض الامراض الخطيرة او الأوبئة بداخل المؤسسات السجنية فليس من العيب في شيء وفي اطار فضيلة الحوار والتعاون المثمر والبناء ان لا تقدم على اتخاذ قراربمنع نقل السجناء الى المحاكم الا بعد ان تتدارس الامر مع كافة الجهات القضائية من جميع الوجوه وطرح كافة الحالات للنقاش لتوخي الحلول المناسبة لكل حالة مرضية للسجناء على حدة سواء تعلق الامر منها بالجانب القانوني والاكراهات التي يطرحها او الجانب اللوجستيكي ومدى الامكانات المتاحة حتى يتاتى اتخاذ الاجراء الملائم على ضوء الصعوبات المطروحة.وهذا مانصت عليه مقتضيات المادة129 من القانون رقم 98 23 المتعلق بتسيير المؤسسات السجنية التي اوجبت اشعار السلطات القضائية المختصة خاصة عندما يتعلق الامر بمرضى معتقلين احتياطيين حيث نصت المادة المذكورة على مايلي: اذا تبين للطبيب ان صحة المعتقل البدنية او العقلية عرضة للخطر بسبب نظام الاعتقال فانه يشعر كتابة بذلك مدير المؤسسة الذي يجب عليه اتخاذ التدابير المؤقتة اللازمة ويخبر بدوره مدير ادارة السجون واذا تعلق الامر بمعتقل احتياطي فعليه ان يخبر ايضا السلطة القضائية المختصة. فهذا الاشعار لم يرد اعتباطا في المادة المذكورة وإنما الغاية منه افساح المجال للسلطات القضاءية بتسوية الوضعية القانونية للمعتقلين الاحتياطييين قبل تطبيق الحجر الصحي في حقهم. فالامراذن من هذه الناحية كان يقتضي اتخاذ قرارات واجراءات تشاركية مع كل الاجهزة القضاءية والسجنية حيث يعتبر حضور المعتقلين امام الجهات القضائية المعنية بصفة تواجهية اجراء جوهريا احاطه المشرع بعدة ضمانات قانونية ورتب على الاخلال بها نتاءج جد خطيرة. سواء على مستوى حقوق الدفاع او على مستوى بعض الاجراءات المسطرية الجوهرية. فقرارمنع نقل المعتقلين الصادر عن المندوبية السامية كان بالامكان التريث في اصداره وعدم اللجوء الى هذه الطريقة المتسرعة و المفاجئة على اعتبار ان المؤسسات السجنية لايمكن فصل نشاطها وظيفيا وموضوعيابسبب تدبيرها لاوضاع السجناء عن المؤسسات القضائية الزجرية لان الاشخاص المودعين بها ما كان لهم ليلجوها لولا الاوامر والقرارات الصادرة بهذا الشان من لدن تلك المؤسسات القضاءية التي اوكل لها القانون عدة صلاحيات سواء من حيث الاوامر بالايداع اوبمواكبة اوضاع السجناء القضائية وكذاتفقد احوالهم وتسوية وضعياتهم الجناءية. فمدراء المؤسسات السجنية من هذه الزاوية ينحصر دورهم في تحسين ظروف الايواء ومايرتبط به من اجراءات تحفظ حقوق السجناء وكرامتهم المعيشية بداخل هذه المؤسسات. فوجودهم بالمؤسسة السجنيةيتمحور اساسا ليكونوارهن اشارة القضاء حيث حدد المشرع لوجودهم بالمؤسسات السجنية شروطا دقيقة خص بهاالاجهزة القضاءية .فالجهة التي تسببت في اعتقال اولاءك الاشخاص بهذه المؤسسات هي نفسها التي اوكل لها المشرع توخي الحلول القانونية الملاءمة التي تمليها بعض الاوضاع التي قد تمس بحقوقهم في اطار احترام و توفير شروط المحاكمة العادلة من خلال الحضور التواجهي مع كافة الاطراف سواء.بجلسات البحث اوالاحكام . فقرار المنع هذا ما كان ليصدر الا بعد استشارة الاجهزة القضائية المعنية لتحديد موقفها من هذا المنع وتقديم مقترحاتها المناسبة في هذا الشان . لانها اهم جهاز محوري يجب مراجعته في اية صعوبة او اشكال يحول دون إحضار المعتقلين امام المحاكم الزجرية.وباعتبارها ايضا قوة اقتراحية يمكن ان تقدم تصورات وتوجهات فاعلة في تدبير هذه المرحلة.فتدبير المرحلة يقتضي من الناحية العملية توسيع رقعة الحواروالتشاور مع كل الفاعلين المتدخلين في المرفق القضاءي الذين لهم ارتباط وثيق بقضايا المعتقلين الاحتياطيين انطلاقا من المسؤولين القضاءيين بالمحاكم ووزارة العدل وادارة السجون وهياة جمعيات المحامين وذلك من اجل بلورة الحلول العميقة والشاملة التي تحتمها هذه الظرفية في تناغم وتناسق وتكامل تام. فاذا كان بلاغ المندوبية السامية الموجه لمدراء المؤسسات السجنية يشير الى ان المندوبية ستفتح حوارا بشان طريقة نقل الجلسات عن بعد عبر تقنية البث المباشر.فقد كان من الاجدى ان يطرح ايضا تدبير منع نقل المعتقلين الى المحاكم للنقاش للخروج بحلول عملية ومفيدة.لاسيما وان المادة 127المتعلقة بقانون تسيير المؤسسات السجنية التي استند عليها قرار المندوبية السامية يستشف منها انها لاتقتضي بالضروؤة اتخاذ تدبير منع نقل المعتقلين الى المحاكم وانما تتحدث عن رصد كل حالة وباء معد على حدة ، واتخاذ بشانه التدابير الصحية الضرورية .فقد نصت المادة المذكورة على مايلي: يتخذ مدير المؤسسة بتنسيق مع الطبيب واذا اقتضى الحال مع السلطات الادارية المحلية كل التدابير الضرورية للوقاية من الأوبئة او الامراض المعدية او لمحاربتها وخصوصا ما يتعلق باستشفاء المرضى والحجر الصحي وتطهير المحلات والامتعة والافرشة. يجب الاشعار بجميع الحالات المرضية التي يلزم التصريح بها تبعا للقانون المعمول به وطبقا للشروط التنظيمية. وفي نفس الاتجاه نصت المادة130 من نفس القانون علىمايلي: يتعين على الطبيب كذلك: .......الخ السهر على تطبيق القواعد المتعلقة بعزل المرضى طريحي الفراش وذوي الامراض المعدية والامراض العقلية وعند الاقتضاء الامر بايداعهم بالمصحة او نقلهم الى فرع صحي متخصص بمؤسسة سجنية اخرى او الامر باستشفاءهم.....الخ. فبمقتضى النصين المذكورين يتضح بانهما يتحدثان عن حالات معزولة تتخذ بشانها تدابير صحية وطبية تختلف من حالة لاخرى بما في ذلك العزل الداخلي والتطهير والتعقيم وانتهاء بالاستشفاء بالمستشفى.. فكان من المفروض القيام برصد عدد الحالات التي تم تسجيلها بالنسبة لكل مؤسسسة على حدة وايلاءها العناية الصحية اللازمةوما تقتضيه من تدابير صحيةحسبما هو منصوص عليه في المادة 130المشار اليها اعلاه بدلا من تعميم تدبير منع نقل جميع المعتقلين الى المحاكم على الصعيد الوطني لانه لم يثبت لحد الان ان جميع المؤسسات السجنية بالمغرب سجلت بها حالات الفيروس كوفيد 19.واصبحث بمثابة بؤرة لاحتضان هذه الجاءحة.واذا كان الامر كذلك فلماذا لم يشمل هذا المنع حتى الاشخاص الوافدين الجدد على المؤسسات السجنية بمقتضى اوامر قضاءية بالايداع ؟الايخشى على هؤلاء ايضا من العدوى؟ ان قرار منع نقل المعتقلين الى مختلف المحاكم الزجرية ستترتب عنه لا محالة عدة نتائج جد معقدة وقد توجد في صدام مع القانون من عدة جوانب يمكن اجمالها على النحو التالي: اولا: من حيث تصاعد نسبة الاعتقال الاحتياطي: مما لا شك فيه ان قرار منع نقل المعتقلين إلى المحاكم بمافي ذلك مؤسسة قضاء التحقيق سيلقي بظلاله الوخيمة على ظاهرة الاعتقال الاحتياطي التي ستعرف ارتفاعا مذهلا في عدد المعتقلين الاحتياطين من جراء عدم تصفية قضاياهم بسبب قرار المنع أذان معظم القضايا المتعلقة بهم ستتاخر إلى أجل ليس باليسير على الرغم من ان قرار السلطة القضائية الصادر في أعقاب إعلان حالة الطواريءقد استثنى قضايا المعتقلين من الحجر الصحي القضاءي اذ ان كل الجلسات تم تعليق انعقادها باستثناء الجلسات المتعلقة بهذا الصنف من القضايا وذلك لمدى أهميته وحساسيته المرتبطة بحرية الا فراد وبحقهم في احترام وتوفير شروط المحاكمة العادلة. وعلى الرغم من ان وزارة العدل تبنت اعتماد تقنية المحاكمة عن بعد فإن هذه العملية لاتخلو من أخطار الاعطاب التقنية في طريقة البث لضعف صبيب النيت في بعض المناطق النائية التي توجد في أماكن تعلوها بعض الهضاب والمرتفعات ومن جراء أيضا ما تعرفه شبكة النت من ضغط واضطراب في التواصل في هذه الظرفية الحرجة نظرا لتعدد استعمالاته من قبل عامة الأفراد في حياتهم الخاصة وأيضا من قبل التلاميذ والطلبة عن طريق إلقاء الدروس والمحاضرات عن بعد.مماقد يفضي في نهاية الامر إلى تأخير تلك القضاياممايساهم في ارتفاع وثيرة الاعتقال الاحتياطي. ثانيا: من حيث تداعيات قرار منع نقل المعتقلين على بعض الأوضاع القانونية.لدى قضاء التحقيق . قد يحدث ان احد المعتقلين على ذمة قضاء التحقيق قد استنطق ابتداءيا من قبل قاضي التحقيق وتعذر استنطاقه تفصيليا إلى ان استوفى مدة التمديد الاول وعلى وشك انتهاء التمديد الثاني الذي لم تبق الا اياما معدودة على انتهاءه ففوجيء قاضي التحقيق مثلا بالمحكمة الابتداءية بصدور قرار منع نقل المعتقلين من قبل إدارة السجن مما حال دون استنطاقه تفصيليا ولم تعد لقاضي التحقيق أية وسيلة قانونية أخرى يتدارك بها الوضع سوى منح المتهم السراح المؤقت الذي يمكن ان يقرنه ببعض إجراءات المراقبة القضائية والا سوف يتم الإفراج عنه بقوة القانون من قبل مدير السجن وذلك طبقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة176 من قانون المسطرة الجناءية التي تنص: اذا لم يتخذ قاضي التحقيق خلال هذه المدة امرا طبقا لمقتضيات المادة 217الآتية بعده يطلق سراح المتهم بقوة القانون ويستمر التحقيق. فلو ان إدارة السجن قامت بإبلاغ قاضي التحقيق بقرار منع نقل المعتقلين إلى المحاكم في الوقت المناسب لتمكن قاضي التحقيق من تدارك الأمر بأصدار القرار المناسب في القضية في ظروف عادية. ثالثا: حول مدى قانونية نقل اجراءات البحث الذي يجريه قاضي التحقيق بالمكتب عن بعد عبر تقنية البث المباشر. لقدطرح تساؤل حول الطريقة التقنية التي يمكن ان يتم بواسطتها نقل البحث الذي يجريه قاضي التحقيق عن بعد فيما اذا كان سيقوم بالاشراف التقني لتشغيل الاجهزة الالكترونية المخصصة للبث المباشر بعض التقنيين الموزعين بين مكتب قاضي التحقيق والمكان المخصص للمتهم المعتقل بالسجن وكذا محاميه و.هل هذه العملية مؤطرة بكيفية قانونية.وماهي النصوص القانونية التي تنظمها. من المعلوم قانونا ان البحث الذي يقوم به قاضي التحقيق .يتسم بطابع السرية لدرجة ان العمل القضاءي لم يسمح حتى باستنساخ بعض الوثائق المتعلقة بملف التحقيق. فليس هناك اي مقتضى قانوني يسمح بنقل اجراءات التحقيق عن بعد بواسطة الاجهزة التقنية.خاصة عند وجود بعض الاشخاص الاجانب عن القضية لتشغيل تلك الاجهزة مما يخرق طابع السرية المحاطة بهذا البحث بل على العكس من ذلك فقد نص المشرع صراحة في المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية على ما يلي: تكون المسطرة التي تجرى اثناء البحث او التحقيق سرية. كل شخص يساهم في اجراء هذه المسطرة ملزم بكتمان السر المهني ضمن الشروط وتحت طائلة العقوبات المقررة في القانون الجنائي.. وامام هذا الوضع يثور تساؤل فيما اذا كان بالامكان اللجوء الىاستعمال بعض الوسائل الحماءية والوقائية من الجاءحة من قبل كل من قاضي التحقيق وبقية الاطراف خلال اجراءات التحقيق على الاقل بالنسبة لبعض القضايا المستعجلة التي يجب ان تحظى بالاسبقية بالتحقيق فيها لارتباطها ببعض الاوضاع القانونية الخاصة اوتلك التي يكون اصحابها غير مصابين بالمرة باي مرض كيفما كان نوعه؟ ام انه يكتفي بتاخير اجراءات التحقيق الى ما بعد انتهاء فترة المنع رغم الاكراهات القانونية المرتبطة ببعض الاجال المتعلقة ببعض الاجراءات التي تدخل ضمن الاختصاصات الموكولة اليه قانونا. ثم كيف يتم التوفيق بين قرار السلطة القضاءية القاضي بتعليق وتوقيف الجلسات ما عدا الجلسات المتعلقة بقضايا المعتقلين وكذا القضايا الرائجة بمكاتب التحقيق وبين قرار المندوبية السامية الاخير القاضي بمنع نقل المعتقلين الى المحاكم؟ . .رابعا: حول نقل الجلسات عن بعد عبر تقنية البث المباشر. المشرع وان كان لم يحدد بكيفية دقيقة مختلف الاطوار والاحوال والاجراءات المصاحبة لنقل الجلسات عن بعد الا انه سمح لقضاء الحكم ولرئيس الجلسة بالذات أن يأذن بالتقاط الصور واستعمال طرق الارسال المختلفة بداخل الجلسة .فقد قضت المادة 303من ق م ج بمايلي: يمكن للرءيس بعد اخذ راي النيابة العامة ان ياذن باستعمال آلات التصوير اوالتسجيل او الارسال او الالتقاط اوالاتصال المختلفة....الخ وبذلك يكون المشرع قد وسع من مفهوم وسائل الاتصال المختلفة التي تشمل الوسائل الموجودة حاليا او التي سيتم اختراعها مستقبلا. ومن تمة يمكن القول من حيث المبدء بان نقل اطوار المحاكمات عن بعد وعبر البث المباشر امر مسموح به قانونا .ولو تم الاشراف علي هذه العملية من قبل اشخاص اجانب عن اطراف القضية لان النص جاء بصيغة العموم مادام انه يدخل في اطار علانية الجلسات . وطالما انه سيتم ايضافي احترام تام لكافة الضمانات والضوابط القانونية التي تكفل للاشخاص الحفاظ على خصوصيتهم والحرص المطلق على عدم انتهاكها.