دور محكمـة النقـض فـي حمايـة المـال العـام الدكتـــور حســـن فتـــوخ مستشار بمحكمة النقض رئيس قسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي تقديــم: صحيح أن دستور 2011 يشكل ميثاقا للحقوق والحريات والأساسية للمواطنين( )، وصحيح أيضا أن السلطة القضائية المستقلة هي الضامنة لسيادة القانون على الجميع، إلا أن مستقبل الوطن الآن أمام رهان المال العام وحمايته من كل أشكال الهدر والتبذير، وذلك من خلال العمل على تخليق الحياة العامة، وتفعيل آليات المحاسبة والمساءلة، وإرساء مبادئ الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن العام، وتحريك المتابعة الجنائية في حق مقترفي الجرائم المالية ومعاقبتهم، من أجل حماية المصلحة العامة للمجتمع. إن الترسانة القانونية المتعلقة بالجرائم المالية( )، ومهما تضمنت من مستجدات تشريعية متقدمة لحماية المال العام ومعاقبة ناهبيه، وتعزيز الثقة في الآليات الرقابية، فإن الظرفية الحالية تطرح سؤالا على المحك، يتمثل في مدى نجاعة المقاربة القضائية المتبعة لمناهضة الفساد بجميع أشكاله، وتفعيل المبدأ الدستوري المتمثل في ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولعل الجواب عن ذلك، يقتضي منا الوقوف على خصوصية المبادئ التي كرسها الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض بشأن قضايا المال العام، ورصد المعايير القضائية لاستخلاص قيام العناصر التكوينية من عدمها في جرائم المال العام. المحور الأول: خصوصية المبادئ المكرسة في قضايا المال العام لا شك أن تحريك المتابعات في حق الأشخاص مرتكبي جرائم المال العام ومعاقبتهم والحكم بمصادرة الأموال المختلسة، يجسد الانخراط الجاد والهادف للسلطة القضائية في حماية المال العام، وتعزيز الديمقراطية ودولة الحق والمؤسسات، وإرساء العدالة الجنائية على أرض الواقع، وفق مقاربة قضائية، تروم قيام التوازن بين الجزاء وقواعد الأخلاق العامة، وتوفير بيئة نزيهة وشفافة في تدبير الشأن العام، وتحقيق مزيد من التقدم الاقتصادي والاجتماعي للوطن والمواطن الذي يعتبر قطب الرحى في جميع الأوراش التنموية. أولا: المفهوم القضائي للمال العام إذا كان المال العام من منظور الفقه هو ذلك المال المخصص للمنفعة العامة( )، فإن محكمة النقض قد عرفت المال العام في أحد قراراتها كما يلي: " يعتبر مالا عاما كل الأموال المملوكة للدولة أو أشخاص القانون العام والمخصصة للمنفعة سواء كانت هذه الأموال معدة لخدمة الجمهور وبطبيعتها أو كانت في خدمة مرفق عام يستفيد منه الجمهور بشكل مباشر ". ولما كانت النازلة تتعلق بتبديد أطنان من القمح المسلمة للمتهم في إطار منحة التخزين والدعم، فقد اعتبرت محكمة النقض في قرارها أعلاه أن " الهدف الأساسي استنادا لقانون 12/94 المتعلق بالمكتب (...) هو إشباع حاجات الدولة من المنتوجات الزراعية التي تعتبر أساسية في التغذية العامة للمواطنين والعمل على مراقبة الأسواق وتزويدها بالدقيق حفاظا على استقرار الأثمان ومنع كل زيادة لا تناسب القدرة الشرائية للمواطنين، وعلاقة المكتب المذكور بالأشخاص المعنوية المكلفة بتخزين المزروعات هي علاقة قانونية تتمثل في تزويد هذه الأخيرة للمطاحن بكمية من الزرع المخزون التي تتقاضى عنه منحة طيلة مدة التخزين لقيام هذه المطاحن بطحنه وبيعه بالسوق الوطني حفاظا على القدرة الشرائية للمواطنين. وأن قيام المكتب (...) المسؤول عن تزويد السوق الوطني بالحبوب والقطاني بمنح المتهم بصفة مسؤول عن شركة (... ) منحة التخزين والدعم لكمية القمح المشار إليها بمحضر البحث التمهيدي والتزامه ببيعها للمطاحن حفاظا على استقرار الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين إلا أن المتهم عمد إلى تبديد ما قدره (....) قنطارا وبيعها للخواص حسب اعترافه خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة بدعوى انخفاض المحصول بسبب الرطوبة وشرائه مجموعة من الشاحنات وخزانات الزرع وقطعة أرضية ... يشكل جناية تبديد واختلاس أموال عامة ". ثانيا: معيار الصفة العمومية للمتهم في جرائم المال العام دأبت محكمة النقض على اعتبار المصلحة ذات النفع العام هي المعيار في تحديد الصفة العمومية للمتهم في جرائم المال العام، علما بأن المشرع المغربي لم يعرف المصلحة ذات المنفعة العامة ولم يضع لها ضابط يمكن بواسطته تمييزها عن غيرها من المصالح، والقاضي الجنائي يستنبط صفة العمومية في الموظف ليس بالرجوع للقانون الإداري بل للجهة المتضررة من الجريمة بحسب النشاط الذي تقدمه للمرتفقين أو بحسب القانون المنظم لها أو بحسب مساهمة الدولة في رأسمالها أو خضوعها لرعاية الدولة بواسطة أجهزتها الرقابية أو رخصت لها الدولة للقيام بتنفيذ أعمال ذات مصلحة عامة مقابل منحة مالية مقابل ذلك. ثالثا: الهدف المتوخى من الدعاوى الجنائية في قضايا المال العام تعتبر حماية المال العام من أهم الأولويات الاستراتيجية و السياسية في بلادنا، لارتباط الموضوع بمجموعة من الميادين الاقتصادية أو السياسية والاجتماعية . ولا يمكن حماية المال العام إلا بوسائل وآليات لها القدرة والقوة لتحقيق الأهداف المرجوة من الدعاوى الجنائية في قضايا المال العام. ونظرا للتأثيرات الوخيمة لهذا النوع من الجرائم على الاقتصاد الوطني، اعتبرت محكمة النقض أن الهدف المتوخى من الدعاوى الجنائية في الجرائم المالية، لا يتحقق فقط بعدد الأشخاص المتابعين والمحالين على المحكمة ولا بإصدار بشأنها عقوبات سالبة للحرية، ولكن بضرورة استرجاع المبالغ المبددة والمختلسة وملاحقتها بين يدي أي شخص كان وأيا كان المستفيد منها عن طريق مصادرتها لفائدة الدولة، وذلك عملا بمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 247 من القانون الجنائي. وقد تواتر قضاء محكمة النقض في العديد من قرارتها( )، على اعتبار أن جناية تبديد المال العام المنصوص عليها وفقا للفصل 241 من القانون الجنائي تتحقق متى قام الموظف العام بتحويل حيازة المال العام الموجود تحت يده بحكم وظيفته إلى حيازة الغير، دون احترام للمساطر والضوابط التنظيمية الجاري بها أو دون حصوله على ترخيص مسبق من مسؤوليه المختصين، وهو يعلم بأن تصرفه المذكور يؤدي إلى استنزاف المال العام بل إلى إهلاكه واغتياله. رابعا: صفة الجمعية الوطنية لحماية المال العام في الطعن بالنقض إن إقرار المشرع لحق الطعن في الأحكام القضائية من قبل الطرف المتضرر منها، يعتبر أحد أهم ضمانات المحاكمة العادلة، ويجسد العدالة المسطرية في أرقى صورها، ويعكس حرص القانون على التوفيق بين الحماية الموضوعية والإجرائية للحقوق والحريات. ومع ذلك، يمكن القول بانتفاء الصفة في الطعن من قبل أي جهة لم تكن طرفا في الحكم أو القرار المطعون فيه، إعمالا لقاعدة أن الصفة في الطعن كالدعوى، وهي مناط الادعاء. وفي هذا الصدد، قضت محكمة النقض بعدم قبول الطعن بالنقض المقدم من طرف الجمعية الوطنية لحماية المال العام، بعلة مفادها أنها لم تتدخل كمطالبة بالحق المدني أمام محكمة الموضوع، فهي بذلك ليست طرفا في الدعوى الجنائية، ولا صفة لها في طلب نقض القرار الصادر فيها عملا بمقتضيات الفصل 523 من قانون المسطرة الجنائية . خامسا: انتفاء شرط المصلحة الخاصة للاستيلاء على المال العام في جريمة الغدر سبق لرئيس مجلس بلدي أن أعفى بعض المواطنين المعوزين من الرسوم لتمكينهم من الحصول على رخصة البناء، فتمت إذانته من أجل جنحة الغدر المنصوص عليها في الفصل 244 من القانون الجنائي، وبعد الطعن بالاستئناف قضت الغرفة الجنحية الاستئنافية بإلغاء الحكم الابتدائي والحكم من جديد ببراءته وعدم الاختصاص في المطالب المدنية، بعلة انتفاء المصلحة الخاصة للمتهم في الاستيلاء على المبالغ المالية المخصصة للمصلحة العامة. وبعد طعن النيابة العامة بالنقض في القرار أعلاه، قضت محكمة النقض بنقضه معتبرة من جهة أولى، أن القرار بعدما أورد اعتراف المتهم في محضر البحث التمهيدي بأنه بصفته رئيسا للمجلس البلدي ب (....)، أعفى بعض المواطنين ذوي الاحتياجات من أداء بعض الرسوم عن رخص البناء، نص على خلو الملف من أي دليل على هذا الإعفاء دون أن يناقش هذا الاعتراف. ومن جهة ثانية فإن ما استنتجته المحكمة من انعدام سوء نية المتهم من خلال تصريحاته التمهيدية بناء على تسوية الوضعية المادية لرخص البناء، لا يؤدي عقلا ومنطقا لذلك. ومن جهة ثالثة فإن قيام جنحة الغدر المنصوص عليها في الفصل 244 من مجموعة القانون الجنائي المتابع بها المتهم لا يوجب حتما أن تكون لمرتكبها مصلحة خاصة تتمثل في استيلائه على المال المخصص للمصلحة العامة ". سادسا: الحكم التجريد من الحقوق المدنية في قضايا المال العام في نازلة تتعلق بالمال العام طلبت النيابة العامة النقض على أساس أن المحكمة قررت عدم الاستجابة لملتمسها الرامي إلى التجريد من ممارسة الحقوق الوطنية استنادا إلى أن الأمر اختياري بالنسبة لها، والحال أنها ملزمة بتعليل قراراتها تعليلا قانونيا ومنطقيا ولا يحق لها استعمال سلطتها بشكل جزافي وان تقرر عدم اللجوء إلى عقوبة إضافية فقط لكون القانون يبيح لها ذلك بشكل مطلق، خصوصا وأن الطلب أسس على مقتضيات الفصلين 40 و247 من القانون الجنائي وعلى كونه يتعلق بجنايتي اختلاس وتبديد المال العام واخذ فائدة غير مشروعة من طرف عضو منتخب. وأن محكمة النقض رفضت طلب النقض أعلاه، بعلة مفادها أن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه حينما اعتبرت أن الحكم بالتجريد من ممارسة حق أو عدة حقوق من الحقوق الوطنية كعقوبة إضافية هو اختياري وليس ملزما للمحكمة، تكون بهذا التسبيب قد عللت ردها للملتمس المذكور بتعليل واقعي وقانوني، ما دام الفصل 247 المستدل به لم يرد على سبيل الوجوب، وبالتالي فهي لم تخرق القانون في شيء، والوسيلة غير مرتكزة على أساس. سابعا: طلب رفع الحجز عن المنقولات والعقارات والحسابات البنكية غالبا ما يتقدم دفاع المتهمين بطلب رام إلى رفـع الحجز عـن عقارات المتهمين ومنقولاتهم وحساباتهم البنكية، فيتم رفضها من طرف محكمة الموضوع بعلة أن هذا الطلب يكون سابقا لأوانه مادام أنه لم يصدر بعد قرار نهائي بات حائز لقوة الشيء المقضى به. غير أن محكمة النقض تواترت في قضائها على نقض هذه القرارات، بعلة أن محكمة الموضوع لم تبين في هذا التعليل مستندها القانوني للقول بأن طلب رفع الحجز المقدم من لدن الطالب جاء سابقا لأوانه لعدم صدور قرار نهائي بات حائز لقوة الشيء المقضى به حتى يتسنى لمحكمة النقض مراقبة مدى تطبيق القانون في النازلة، والحال أن نصوص المسطرة الجنائية ليس فيها ما يمنع من البت في الطلب في جميع مراحل المسطرة، مما جاء معه تعليلها فاسدا وناقصا نقصانا يوازي انعدامه ويعرض القرار المطعون فيه للنقض في هذا الجزء.   المحور الثاني: المعايير القضائية المعتمدة بشأن جرائم المال العام أولا: شروط الحكم بالمصادرة كعقوبة إضافية في قضايا المال العام إن العمل القضائي لمحكمة النقض تواتر على اعتبار أن المحكمة إذا كانت ملزمة بتفعيل المصادرة قصد استرجاع الأموال المختلسة في الجرائم المنصوص عليها في الفقرة الأولى من الفصل 241 والفقرتين الأولى والثانية من الفصل 252 من القانون الجنائي طبقا للفصل 247 من نفس القانون، فإنه يجب عليها أن تستحضر بأنها عقوبة إضافية مرتبطة بالعقوبة الأصلية وجودا وعدما ومرتبطة بخاصية شخصية العقوبة وشرعيتها، وهو ما يمنع على المحكمة مصادرة إلا ما هو معلوم ومحجوز بين يدي العدالة ونوقش أمام المحكمة. وأنه من الثابت قانونا أنه متى كان الملف خال مما يفيد أن ثمة عقارات أو أموال منقولة محجوزة على ذمة القضية، يجب على المحكمة أن تراعي أن المصادرة ولئن كانت وجوبية في مثل الجرائم المسطرة في الملف، فإن شروط الحكم بها غير متوفرة في النازلة، وعليه، فمتى انعدمت للمحكمة شروط الحكم بالمصادرة، لا يبقى لها الحق في الحكم باسترجاع الأموال المختلسة إلا في إطار الدعوى المدنية التابعة المثارة من طرف الجهة المتضررة. وأنه تبعا لذلك، يتعين على محكمة الموضوع رد ملتمس النيابة العامة الرامي إلى الحكم باسترجاع الأموال المختلسة ولو في غياب وجود طلبات مدنية من الجهة المتضررة وعقارات وأموال منقولة محجوزة على ذمة القضية، لعدم ارتكازه على أساس قانوني. ثانيا: الوصف الخاطئ لا يؤدي إلى نقض القرار إذا تعلق الأمر بنفس العقوبة اعتبرت محكمة النقض في أحد قرارتها ، أنه يتجلى من تعليل القرار المطعون فيه أن الوقائع حسبما أثبتها القرار تتوفر فيها العناصر القانونية لجناية المشاركة في تبديد أموال عمومية، طبقا للفصلين 129 و 241 من مجموعة القانون الجنائي، ولا توصف بالمساهمة فيه. ذلك أن قيام الطاعن عن مكتب الدراسات (...) والمكلف بتتبع سير الأشغال بالمشروع (...) وإعداد التعليلات المترية المواتية لها بالتوقيع لاحقا، على العديد من البيانات أو الكشوفات المشار إليها في تعليل القرار، بعد أن كانت موقعة من طرف الآمر بالصرف المتهم (...) وأطراف أخرى بعد أداء حوالاتها، ومتبنيا تواريخ إنشائها وفق ما أورده تعليل القرار، إنما يعتبر من الأعمال المسهلة لارتكاب الفاعل الأصلي (... ) لجناية تبديد أموال عمومية، ومساعدة له في ذلك، علما بأن توقيع العارض على الأوراق المذكورة تكرر بتكرار وتعدد وقائع التبديد، ولذلك فإنه لا يجدي ما أثاره الطاعن من عدم إبراز عناصر جريمة المساهمة في تبديد أموال عمومية مادام أن هذا الوصف الخاطئ لا يؤدي إلى نقض القرار، طالما أن عقوبتها هي نفس عقوبة المشاركة في تبديد أموال عمومية التي أبرز القرار عناصرها دون أي تحريف، أو خرق للقانون، مما يكون معه ما أثير في هذا الشأن غير مرتكز على أساس. ثالثا: مخالفة محضر المناقصة للقانون وللواقع يشكل تزويرا معنوبا فـي محـرر رسمي تتألف لجنة فتح الأظرفة طبقا للفصل 50 من مرسوم 1976 من الآمر بالصرف كرئيس أو من يقوم مقامه وبتفويض منه، ومن القابض البلدي ومقرر الميزانية وممثل السلطة، وان محضر الاجتماع موضوع فتح الأظرفة الخاصة بالصفقة الذي خالف هذه المقتضيات لا يشكل اجتماعا بالمفهوم القانوني. وفي نازلة ذات الصلة بموضوع فتح الأظرفة الخاصة بصفقة عمومية تبين انه تم تحرير محضر اجتماع لجنة فتح الأظرفة الخاص بالصفقة وتضمن أن لجنة فتح الأظرفة انعقدت بمقر الجماعة الحضرية (...) برئاسة العامل وبحضور ممثل السلطة والقابض البلدي ومقرر الميزانية، وأن اللجنة درست ملفات الشركات المتنافسة وقررت أن نائلة الصفقة هي شركة (...) التي قدمت اقل عرض مالي، وان المحضر ذيل بتوقيع العامل كرئيس وبتوقيع ممثل للسلطة وبتوقيع باقي الأعضاء المقررين. وأن وزارة الداخلية كسلطة الوصاية قد صادقت على المحضر المذكور وأسندت بصفة نهائية لشركة (...) الصفقة موضوع المحضر. غير أن هذا الاجتماع لم تسلك فيه المسطرة القانونية وعرف عدة اختلالات، بدليل أن معطيات الملف تفيد ان لجنة فتح الأظرفة اجتمعت بالعمالة وترأسها الكاتب العام، وحضرها ممثل السلطة، دون حضور العضوين الآخرين القابض البلدي ومقرر الميزانية، رغم ان اللجنة يجب أن تتكون من أربعة أعضاء مقررين، وأن القانون لا يعطي للكاتب العام للعمالة الصلاحية لرئاسة لجنة فتح الأظرفة. وأن محضر الاجتماع المنجز تضمن الإشارة إلى أنه تم دراسة جميع الملفات للشركات المتنافسة بما فيه ذلك الملف المالي للشركات. وبأنه عند الاطلاع على الملف المالي لشركة (...) تبين أنها لم تقدم أقل عرض، وأن العامل هو الذي اختارها كفائزة، وبأنه أثناء الاجتماع لم يكن هناك كاتب مكلف بتحرير المحضر، وبأنه وقع محضر فتح الأظرفة كرئيس رغم عدم ترأسه للاجتماع. كما أن توقيع محضر اجتماع لجنة فتح الأظرفة (محضر المناقصة) والذي تم تحريره في موضوع الصفقة من طرف الموقعين أعلاه، يضفي الصبغة الرسمية على المحضر المذكور باعتبارهم موظفين عموميين وكان ذلك بحكم وظيفتهم طبقا للفصل 224 من القانون الجنائي. وقد اعتبرت محكمة النقض أنه بتوقيع المتهمين أعلاه على المحضر المذكور، يكونان قد أثبتا وقائع غير صحيحة مع علمهما بذلك، وأن كل واحد منهما قام بسوء نية بعمل من أعمال التنفيذ المادي للتزوير في محرر رسمي، وهو ما يشكل تزويرا معنويا في محرر رسمي، وبالتالي تكون جريمة التزوير في محرر رسمي ثابتة في حقهما. رابعا: أثر مخالفة مواصفات البناء المنجز لدفتر التحملات موضوع الصفقة في نازلة تتعلق بصفقة بناء حائط خاص بمستوصف صحي حسب دفتر التحملات، بالحجر MOELLON علـى مستـوى 60 سنتمتر فـي الأرض و 60 سنتمتر فـوق الأرض وأن يكون عرضه 40 سنتمتر ثم يتمم بالقضبان الحديدية وبالطريقة التي يبنى بها أي حائط خاص بكل إدارة عمومية. لكن تبين من خلال معطيات القضية والصور الفوتوغرافية المرفقة بملف النازلة وتقرير لجنة المجلس الجهوي للحسابات، أن المتهم بصفته آمرا بالصرف اعترف بتوقيعه على الكشف الحامل لمبلغ (...) رغم علمه بعدم صحة البيانات المتعلقة بمواد بناء الحائط ومخالفة ذلك لواقع الحال ولمقتضيات الصفقة، وعدم الإشارة في هذا الكشف إلى التعديل في مواد بناء الحائط، وكذا إلى سمكه، ودون أن يستند على أي إشهاد لمكتب المراقبة على أن الحائط المذكور قد بني وفقا لمقتضيات الصفقة أو وفق محضر التغيير المزعوم، وهو ما اعتبرته المحكمة قرينة قوية على أن المتهم قد استفاد من المبلغ الممثل لقيمة الحائط المستخلص من ميزانية الصفقة المذكورة أعلاه بصفته موظفا عموميا طبقا للفصل 224 ق ج وآمرا بالصرف، وهو ما يشكل في حقه جناية اختلاس أموال عمومية طبقا لمقتضيات الفصل 241 من القانون الجنائي، وبالتالي تبقى هذه التهمة المنسوبة إليه متوفرة العناصر في نازلة الحال وثابتة ثبوتا كافيا في حقه. وأن محكمة النقض في إطار مراقبتها للتطبيق السليم للقانون، اعتبرت - من خلال هذا التسبيب - أن المحكمة عللت من الناحيتين الواقعية والقانونية ما انتهت إليه من إدانة، وأبرزت وجه اقتناعها بشأنه طبقا لما تقتضيه المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، ورفضت ضمنيا الاستجابة لطلب إجراء خبرة طالما لم تكن في حاجة إليها للبت في القضية. أما باقي ما عابه العارض على القرار فليس سوى مناقشة للواقع ومجادلة في قيمة الأدلة المتوفرة في القضية والتي حظيت بقبول قضاة الموضوع في حدود سلطتهم التقديرية التي لا تمتد إليها رقابة محكمة النقض عملا بالفقرة الثانية من المادة 518 من نفس القانون. خامسا: خرق المساطر والضوابط التنظيمية الجاري بها العمل في المال العام في إطار الحث على حماية المال العام من خلال تقيد الموظف بالقوانين التي تنظم عمله، اعتبرت محكمة النقض في أحد قراراتها أن تحويل حيازة المال العام الموجود تحت يده بحكم وظيفته إلى حيازة الغير دون احترام للمساطر والضوابط التنظيمية الجاري بها أو دون حصوله على ترخيص مسبق من مسؤوليه المختصين وهو يعلم بأن تصرفه المذكور يؤدي إلى استنزاف المال العام، يكون مرتكبا لجريمة تبديد أموال عمومية كما هي منصوص عليها في الفصل 241 من القانون الجنائي. وأضافت نفس المحكمة في حيثيات قرارها بأن المتهمين لما قاما بقبولهما تسلم مبالغ مالية متفاوتة القيمة من صاحب شركات وهمية مقابل المصادقة على تمويل برامج التكوين الخاصة بتلك الشركات وشركات أخرى، وبعدم إخضاعها للمراقبة الوثائقية والميدانية، يكونان قد قاما بخرق سافر لمقتضيات الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 183ـ74ـ1 الصادر بتاريخ 21 ماي 1974، وهما يعيان جيدا أن ذلك يدخل في صميم عملهما الرامي إلى التقيد بالقوانين وحماية المال العام المؤتمنين عليه والمرصود من أجل تحقيق النفع العام للمؤسسة العمومية ولصالح البلاد، خاصة وهو ما تسبب بشكل كبير في استفادة تلك الشركات والمؤسسات الوهمية من الأموال العمومية لمكتب التكوين (...) من دون وجه حق، والتي حدده تقرير الإفتحاص المنجز من طرف المفتشية العامة للمالية في مبلغ (...) ونتج عن ذلك إلحاق خسائر مالية باهضة بخزينة الدولة، وهو ما يبرز سوء نيتهما واستهتارهما واستخفافهما بالأمانة الملقاة على عاتقهما، وتفضيلهما خدمة مصالح الغير على حساب حماية المصالح المالية العليا للمؤسسة العمومية. سادسا: أثر التقصير والإهمال في مراقبة الأموال على المسؤولية الجنائية. إن مناط المساءلة الجنائية وفق ما نصت عليه أحكام ومقتضيات الفصل 241 من القانون الجنائي، الذي تناول بالتجريم والعقاب جريمة اختلاس أموال عمومية، هو اختلاس الجاني لمال مرصود لمصلحة عامة أو خاصة، باعتباره موظفا عموميا مع انصراف نيته الجرمية إلى ذلك، على اعتبار أن الجريمة موضوع المتابعة من الجرائم العمدية التي لا يمكن تصور قيامها إلا بحصول الركن المعنوي المذكور. وفي نازلة تتعلق باختلاس أموال عمومية رصدتها لجنة التفتيش التي حلت بوكالة بريدية يشرف على تسييرها المتهم دون علم مدير الوكالة، فتمت متابعة هذا الأخير بدوره من اجل جناية اختلاس أموال عمومية وأدين من أجل ذلك بعلة صفته كمدير وكالة، وعلمه بما كان يقوم به المتهم ( المستخدم ) يجعل منه مسؤولا جنائيا عما وقع من أفعال. غير أن محكمة النقض قضت بنقض القرار أعلاه، بعلة أن المحكمة لئن اعتمدت مجموعة من القرائن لتخلص إلى ما انتهت إليه من إدانة، فإنها لم تبرز العناصر الواقعية والقانونية لجناية اختلاس المال العام التي أدانت بها العارض وفق ما يقتضيه الفصل 241 من القانون الجنائي، بما فيها ارتكابها للفعل المادي المتمثل في الاختلاس، وتاريخ وظروف وقوعـه إذ لا يكفي القول بأن صفته كمدير وكالـة، وعلمه بما كان يقوم به المتهم الثاني، يجعل منه مسؤولا جنائيا عما وقع من أفعال، بل لابد من إبراز التعليل الواقعي والقانوني لها. وبعد إحالة الملف من جديد على محكمة الإحالة قضت هذه الأخيرة بإلغاء القرار المستأنف فيما قضى به من إدانة المتهم (مدير الوكالة ) من أجل جناية اختلاس أموال عمومية و الحكم تصديا ببراءته منها بعلة أن قيام المتهم الثاني ( المستخدم ) باختلاس المبالغ المفصلة أعلاه واختصاصه بها لنفسه دون المتهم ( مدير الوكالة ) وعدم حصول علم هذا الأخير بذلك، وهو ما يجعل جريمة اختلاس أموال عمومية في حق المتهم لانعدام قيام عناصرها الواقعية والقانونية. وبعد الطعن فيه بالنقض من طرف النيابة العامة قضت محكمة النقض برفض الطلب معتبرة أن تقاعس المتهم في اتخاذ وسلوك الإجراءات التأديبية اللازمة في حق المتهم (المستخدم ) حين اكتشافه لعملية الاختلاس لا يكفي للقول بقيام مسؤوليته الجنائية وعقابه، على اعتبار أن تقصير المتهم وإهماله في مراقبة الأموال الصادرة والواردة عن الوكالة التي يشرف على تسييرها بالشكل الذي تقتضيه القوانين واللوائح الإدارية المعمول بها لايمكن أن يكون أساسا للقول بقيام مسؤوليته الجنائية بل يمكن مناقشة ذلك في إطار مسؤوليته المهنية وما يستتبع ذلك من مساءلته تأديبيا من طرف الإدارة التي يتبع لها وإيقاع الجزاءات الإدارية المتناسبة والخطأ المهني الذي ارتكبه وما يمكن أن يترتب عن ذلك من نتائج. سابعا: مدى اتسام أموال الجمعيات ومستخدميها بالعمومية في نازلة تتعلق بإدانة متهمين من أجل جناية المساهمة والمشاركة في اختلاس أموال الجمعية بعلة أن هذه الأخيرة تم تأسيسها بمقتضى القانون، وتتلقى دعما من الدولة بمقتضى القانون، وبالتالي فهي ذات نفع عام، وأن مستخدميها يعدون موظفين عموميين بمفهوم الفصل 224 من القانون الجنائي، وبالتالي فأموالها تعد أموالا عامة. غير أن محكمة النقض قضت بنقض القرار المطعون فيه، معتبرة في شأن الوسيلة المثارة تلقائيا من طرفها لتعلقها بالنظام العام، أن تعليله مشوب بالتعميم والإجمال، فيما يخص الطبيعة القانونية للجمعية المعنية، ولأموالها، ولمستخدميها ومسيريها، إذ لم تبين فيه المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه القانون الذي استندت إليه للقول بأن هذه الجمعية ـ المؤسسة في إطار الظهير الشريف المؤرخ في 15/11/1958 بشأن ضبط حق تأسيس الجمعيات ـ هي جمعية تتسم بصفة المنفعة العامة، ولا السند القانوني لاعتبار أموالها أموالا عمومية، ولا أنواع الدعم ومقاديره التي أوردت أنها تتلقاه من الدولة، وذلك لتبرير إدانة الطاعن ومعاقبته بمقتضيات الفصل 241 من مجموعة القانون الجنائي وسلامة تكييف الأفعال والوقائع التي أدانته بارتكابها بجناية المساهمة في تبديد وفي اختلاس أموال عمومية. كما لم تبرز المحكمة ـ بما يكفي ـ الأسباب القانونية التي اعتمدتها للقول بأن مستخدمي وأجراء ومسيري الجمعية المذكورة هم موظفون عموميون، حسب الفصل 224 من نفس القانون، وذلك لتبرير مدى انطباق مقتضيات هذا الفصل على الطاعن في تسييره لأمور الجمعية المذكورة، وهي الأمـور التي جـاء معها القرار المطعون فيه ناقـص التعليل الموازي لانعدامـه، مما يعرضـه للنقض والإبطال.