قراءة في الفصل 230 من ق.ل.ع.م محاولة للتقييم الدكتور محمد المقريني أستاذ بكلية الحقوق بسلا ينص الفصل 230 من قانون الالتزامات و العقود المغربي على أن "الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، و لا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو من الحالات المنصوص عليها في القانون". فالعقد عندما ينشأ صحيحا يستوجب تنفيذه في جميع ما اشتمل عليه مادام أن إرادة الأطراف هي التي ضمنت العقد البنود التي يحتويها ، فالعقد يعدل في قوته الإلزام الناشئ عن القاعدة القانونية فكما لا يمكن للشخص أن يخالف القاعدة القانونية لا يمكن أن يخالف الالتزامات الناشئة عن العقد الذي أبرمه بمحض إرادته. و كما يعبر عن ذلك أحد الباحثين بأن العقد هو قانون مصغر بين الأطراف ، و عليه يجب على الجميع الخضوع و احترام مقتضيات الاتفاقات، فالقاضي ملزم بتطبيقه و لا يستطيع الانحراف عنه، و ذلك كما لو كان الأمر يتعلق بقاعدة نص عليها القانون . فلا يجوز لأحد المتعاقدين أن ينفرد بتعديل أو إنهاء العقد الذي تم إبرامه إلا بالرضاء المشترك أو في الحالات المنصوص عليها قانونا. فالعقد الناتج عن توافق إرادتين يتطلب ضرورة عند التفكير في تعديله أو إلغائه توافق الإرادتين . فما تم بناؤه و تشييده من طرف إرادتان، لا يمكن أن تعدله أو تنهيه إرادة واحدة؛ فإذا رغب أحد أطراف العلاقة التعاقدية تعديل إحدى مقتضيات العقد أو إنهائه فلابد أن يحصل على موافقة الطرف الآخر لأن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين يقتضي أن تكون موضوعات العقد ملزمة، بحيث لا يلتزم المتعاقدين إلا بما تضمنه العقد من بنود، فالعقد المنشأ على وجه صحيح يقوم مقام القانون الذي يتميز بعنصر الإلزام و الجزاء لذلك يجب على كل طرف في العقد أن يتم تنفيذ ما التزم به و إلا ترتب عن ذلك إمكانية المساءلة. و لتحديد مضمون مبدأ العقد شريعة المتعاقدين يجب تحديد الالتزامات التعاقدية و ذلك عن طريق التفسير و الوصول إلى البنية المشتركة للمتعاقدين، بإعمال قواعد القانون و العرف والعدالة بهدف تنفيذ جميع ما تضمنه العقد طبعا إذا نشأ صحيحا كما تقتضي بذلك التشريع المغربي و الفرنسي من خلال نص المادتين 230 من ق ل ع و 1134 من ق م الفرنسي. و تبعا لما سلف فإن أطراف العقد لا يلتزمون إلا بما وقع التصريح به في العقد أي ما اشتمل عليه العقد أو كان من مستلزماته أو ملحقاته أو توابعه، ففي عقد النقل مثلا يلتزم الناقل بأن يوصل المسافر من مكان الانطلاق إلى مكان الوصول في مقابل يلتزم المسافر بأداء أجرة النقل للناقل. و عملية النقل هذه تستوجب نقل المعني بالأمر إلى المكان المرغوب فيه سليما و معافى فهذا الالتزام بضمان سلامة المسافر يعتبر من مستلزمات العقد كما تستوجب أيضا أن يلتزم المسافر بالنظام الداخلي المتعلق باستعمال الناقلة و هذا أيضا من مستلزمات العقد إذا لم يتضمنه العقد في شموليته. و نود الإشارة إلى أن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين هي نتيجة لمبدأ سلطان الإرادة الذي يجعل من الإرادة الحرة الأساس في تقرير الالتزام أو عدم الالتزام و إذا قررت الالتزام فلا يمكن لأي جهة أن تحد من ذلك أو تمنعها. و نتيجة أيضا للاعتبارات الدينية التي تستوجب الوفاء بالعهود لقوله تعالى في كتابه الحكيم: "أوفوا بالعقود" ، كما أن الأخلاق الحميدة تستلزم أن يكون الإنسان عند كلمته. بالإضافة إلى أن الأسس الاقتصادية تتطلب لكي تسود الثقة ف التعاملات وجوب استقرار المعاملات و ذلك بسيادة الثقة بين المتعاقدين و إعطاء قوة ملزمة للعقود بحيث لا يمكن تعديل العقد و إنهاؤه إلا بالإرادة المشتركة للمتعاقدين. و إذا كان الأصل هو تنفيذ العقد من طرف المتعاقدين وفقا للبنود التي يتضمنها تحقيقا للمصلحة الخاصة للأطراف، إلا أن هذا الأمر لا يستقيم دائما مع المصلحة العامة التي تقتضي حماية المصالح و القيم العليا للمجتمع التي تتعارض مع المصالح الذاتية للفرد أو الأفراد داخل المجتمع و ذلك بإشاعة الأخلاق و السلوكات الحميدة المقبولة من طرف الجماعة، إعمالا لمبدأ حسن النية في العقود. نستنتج مما سبق بأن المشرع المغربي أو الفرنسي إذا كان يؤسس لقاعدة مهمة و أساسية وهي أن العقد شريعة عاقديه إلا أن هذه القاعدة نسبية فقط ما دام أن قواعد النظام العام و الآداب العامة و تنفيذ العقود بحسن النية قد تستبعد تطبيق المبدأ. فما هي إذن مضمون هذه القيود التي قد تحد من إعمال المبدأ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال التعرض للمواضيع التالية: الفرع الأول: النظام العام و الآداب العامة الفرع الثاني: حسن النية الفرع الأول: النظام العام و الآداب العامة إذا كان المشرع المغربي و كذا نظيره الفرنسي يأخذ بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين كنتيجة لمبدأ الحرية التعاقدية التي تجعل من الإرادة المحدد الوحيد للتعاقد أو عدم التعاقد، إلا أن الأمر لا يبدو مطلقا ما دام أن هناك نصوص قانونية آمرة قد تحد من هذه الحرية أو قد تمنعها في بعض الأحيان و ذلك حماية للمصلحة العامة و الآداب و الأخلاق التي يجب أن تسود داخل المجتمع كما هو الحال بالنسبة للفصل 62 من ق ل ع و المادة 1131 و 11333 من التقنين المدني الفرنسي الذي تضمنا ما يلي: "الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن يكون السبب غير مشروع، إذا كان مخالفا للأخلاق الحميدة أو النظام العام، أو القانون. إن استعمال المشرع المغربي أو الفرنسي لهذه العبارات الفضفاضة، (النظام العام، الآداب) الهدف منه الحد من مبدأ العقد شريعة المتعاقدين من جهة إعطاء الإمكانية للقاضي وتسهيل مهمته نسبيا ما دام أنه ملزم بتحديد هذه الحالات التي تخالف النظام العام أو الأخلاق داخل المجتمع، أخذا بعين الاعتبار متطلبات المجتمع و التقاليد و الأعراف السائدة فيه و يبقى السؤال المطروح هو كالآتي: كيف يمكن لقواعد النظام العام و الآداب التي تحد من مبدأ القوة الملزمة للعقد؟ كما هو مفهوم النظام العام و الآداب العامة أو الأخلاق الحميدة (المبحث الأول) و ما هو الدور الذي يقوم به للحد من مبدأ القوة الملزمة للعقد (المبحث الثاني). المبحث الأول: النظام العام و الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة لم يعرف المشرع المغربي و لا المشرع الفرنسي النظام العام و الآداب العامة بل اكتفى بإيراد هذا المصطلح في بعض الأحيان كقيد على المبادئ التي قد ينص عليها و كما اشرنا سابقا عندما تعرض المشرع لركن السبب . في حين اختلف الفقه أثناء محاولة تعريفه و ذلك بحسب التوجه الفلسفي فقد عرفه أحد الباحثين الفرنسيين بأنه: "مجموع التنظيمات و القواعد التي تعمل على حفظ سير المصالح العمومية و الأمن...". كما عرفه الأستاذ عبد الرزاق أحمد السنهوري بأنه: "مجموع القواعد القانونية التي يقصد بها تحقيق مصلحة عامة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تتعلق بنظام المجتمع الأعلى و تعلو على مصلحة الأشخاص و لا يجوز لهم أن يناهضوها باتفاقات فيما بينهم حتى و لو حققت لهم هذه الاتفاقات مصالح فردية، فالمصالح الفردية لا تقوم أمام المصلحة العامة". وفقا لما سبق يعتبر من النظام العام كل ما هو مرتبط بالمصلحة العامة هذه الأخيرة قد تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو خلقية لا يجوز المساس بها، و التي يمكن أن تتغير بحسب الزمان و المكان . و يبقى أن القواعد المتعلقة بالنظام العام ليست هي التي يقصد بها تحقيق المصلحة العامة، لأن قواعد القانون في مجموعها تهدف إلى تحقيق النظام في المجتمع في حين القواعد المتعلقة بالنظام العام هي فقط تلك التي تهدف إلى تحقيق الحد الأدنى الذي لا يمكن الاستغناء عنه من هذه الأهداف . وفقا لما سبق يعتبر من النظام العام كل ما هو مرتبط بالأسس الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية و الخلقية لوجود المجتمع استمراره. - حماية الفرد من كل أنواع الاعتداء، السرقة – القتل...الخ. - حماية الأسرة من كل أنواع الفساد، تنظيم الزواج – الطلاق...الخ. - حماية النظام السياسي للدولة، التصدي لكل أنواع الفساد – حماية نظام الحكم، الحريات العامة. - حماية الأخلاق العامة، منع الزنا – اللواط – الاغتصاب...الخ. - حماية الاقتصاد الوطني، حماية نظام النقد و الإنتاج، تنظيم العلاقة بين العامل و رب العمل...الخ. فكل هذه الأسس و المصالح تعتبر جد حيوية و هي التي يسعى الفرد و المجتمع نحو تحقيقها و هي التي تشكل النظام العام و الآداب، و تتولى القواعد الآمرة حمايتها . و للإشارة فإن فكرة النظام العام و الآداب العامة فكرة مرنة تختلف باختلاف الزمان والمكان و تبعا للأفكار و الاتجاه أو المذهب المعتمد داخل الدولة فما يعتبر من النظام العام وفقا للمذهب الفردي قد لا يعتبر من النظام العام وفقا للمذهب الإشتراكي فدائرة النظام العام تتسع وفقا للمذهب الأخير في حين يضيق الأمر في النظام الرأسمالي. فما يعتبر من النظام العام في الدول الإسلامية قد لا يعتبر كذلك من الدول الغربية، فتعدد الزوجات يعتبر من النظام العام كالدول الغربية في حين لا يعتبر كذلك في الدول الإسلامية. و كذلك ما يعتبر من الآداب العامة في الدول الإسلامية قد لا يعتبر كذلك من الدول الغربية، و فتح نادي للقمار، و الحرية الجنسية و الإباحية لا يعتبر من الآداب إلا في الدول الإسلامية . و إذا كانت فكرة النظام العام و الآداب مرنة و تتعلق بالمصالح الحيوية لاستمرار الدولة سواء كانت اجتماعية، اقتصادية، سياسية، خلقية، فيبقى الدور على عاتق القاضي لاكتشاف مثل هذه القواعد التي تتضمن هذه الأسس و التي لا يمكن الاتفاق عن مخالفتها . فالقضاء هو الذي يقدر ما إذا كان النص يتعلق أو لا يتعلق بالنظام العام و الآداب العامة وهو ما يمكن أن يستخلصه من مجموع النصوص القانونية المعمول بها عندما يفصل في النزاع كما نستخلصه من روح التشريع و هو يخضع في هذه الرقابة للمجلس الأعلى . و في الأخير نود الإشارة إلى أن مبدأ القوة الملزمة للعقد هي قوة نسبية فقط، لأن الفرد إن كان يبدو من الناحية النظرية أنه هو المحدد الأساسي للتعاقد أو عدم التعاقد إلا أن الالتزامات التي يتضمنها العقد تحدد بها من الناحية العملية النصوص القانونية الآمرة عن طريق فرض مبدأ النظام العامة و الآداب العامة. المبحث الثاني: دور النظام العام في الحد من مبدأ القوة الملزمة للعقد فالنظام العام و حسن الآداب يحد من الحرية الفردية متى تغلبت المذاهب الفردية، بحيث أنه لا تملك أية جهة و حتى الدولة أن تتدخل في تحديد العقد. في حين تتسع دائرة النظام إذا تغلبت المذاهب الاجتماعية أو التضامنية، بحيث تتدخل الدولة في تحديد و تنظيم العقد، و لكن لحساب الطرف الضعيف في العلاقة. و إذا كان المبدأ أن للفرد الحرية في التعاقد أو عدم التعاقد، و في حالة التعاقد تضمين ما يشاء من الالتزامات في الاتفاق، إلا أن هذه الالتزامات يجب أن تكون مطابقة للنظام العام والآداب العامة و غير مخالفة له. فالمشرع جعل من النظام العام و الآداب الحميدة حدا هاما لمبدأ سلطان الإرادة سواء في إبرام العقد (مبدأ الرضائية) أو في تعيين أثاره (مبدأ العقد شريعة المتعاقدين) . و من النظريات القانونية الحديثة، كنظرية التعسف في استعمال الحق و نظرية تحمل التبعة، و قانون الكراء، قانون الشغل، قانون حماية المستهلك...غلخ، إلا دليل على النزعة التدخلية للمشرع في تنظيم و تحديد العقد. و تطبيقا لمبدأ النظام العام نص المشرع المغربي في المادة61/2 من ق ل ع و كذا نظيره الفرنسي في المادة 1130-2 من ق ل م فرنسي ، على أنه "لا يجوز التنازل عن تركة إنسان على قيد الحياة و لا إجراء أي تعامل فيها، أو في أي شيء مما تشمل عليه، و هو ما قضت به المحاكم الفرنسية في العديد من الحالات و ذلك لتعلق مثل هذه التصرفات بالنظام العام المتعلق بالإرث و كذلك من أجل حماية الورثة من الاتفاقات التي قد تضر بمصالحهم. كما اعتبر القضاء الفرنسي أيضا الحق في الزواج هو حق من الحقوق الشخصية من النظام العام لا يمكن منعه أو الحد منه، شرط عدم الزواج يجب اعتباره باطل . و هو ما نص عليه المشرع المغربي من خلال المادة 109 من ق ل ع كالتالي: "كل شرط من شأنه أن يمنع أو يحد من مباشرة الحقوق و الرخص الثابتة لكل إنسان لحق الإنسان في أن يتزوج، و حقه في أن يباشر حقوقه المدنية، يكون باطلا و يؤدي إلى بطلان الالتزام الذي يعلق عليه. و هو ما طبقه القضاء المغربي من قرار صادر بتاريخ 20 يوليوز 1983 كالآتي: "... فالمحكمة كانت على صواب عندما اعتبرت أن شرط عدم الزواج التزمت به المطلوبة في النقض يعتبر باطلا و يبقى العقد صحيحا و رتب على ذلك آثار الفسخ التعسفي لعقد العمل الصادر بإرادة منفردة من جانب الطاعنة، فكان بذلك قرارها معللا كافيا و صحيحا" . من خلال ما سبق يبدو جليا مدى تأثير قواعد النظام العام و الآداب العامة على مبدأ القوة الملزمة للعقد فهذا المعيار المرن هو المدخل للتغييرات التي قد تلحق المجتمع و التي تجعله يؤثر في القانون و روابطه الذي يجب أن يساير التطورات الاجتماعية و الاقتصادية و الخلقية. و في هذا الشأن يقول الأستاذ عبد الرزاق أحمد السنهوري "... و تتسع دائرة الناظم العام و الآداب العامة أو تضيق تبعا لهذه التطورات، و طريقة فهم الناس لنظم عصرهم، و ما تواضعوا عليه من آداب و تبعا لتقدم العلوم الاجتماعية. كل هذا يترك للقاضي يفسر التفسير الملائم لروح عصره، فالقاضي يكاد أن يكون مشرعا في هذه الدائرة المرنة، بل هو مشرع يتقيد بآداب عصره و نظم أمته الأساسية و مصالحها العامة" . الفرع الثاني: حسن النية يتطلب الفصل 231 من ق ل ع و المادة 1134-3 من ق ل ف على أن الاتفاقات أو التعهدات يجب تنفيذها بحسن نية. إن استعمال المشرع المغربي أو الفرنسي لهذا المصطلح الواسع المدلول و النطاق (حسن النية) الهدف منه الحد من مبدأ العقد شريعة المتعاقدين و ذلك بإعطاء الإمكانية للقاضي و هو بصدد الفصل في المنازعات المتعلقة بها للاعتمادات و الاستعانة بكل الظروف و الأوضاع التي تفيد التقيد بالمبدأ، فهو لا يلزم بما وقع التصريح به في العقد بل أيضا ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقضيه طبيعته. فما هو مفهوم حسن النية (المبحث الأول) ما هو الدور الذي يمكن أن قوم به للحد من مبدأ القوة الملزمة للعقد (المبحث الثاني). المبحث الأول: حسن النية لم يعمد أغلب فقهاء القانون إلى تعريف مبدأ حسن النية بل اكتفى الكثير منهم من إيراد تطبيقات له . و لقد اعتبر أحد الفقهاء بأن حسن النية في تنفيذ العقد تقابله سوء النية في تنفيذ العقد و الذي يسمى في الاصطلاح القانوني غشا . في حين اعتبر فقيه آخر بأن مبدأ حسن النية يكرس مقتضيات عامة تتعلق بالصدق في العلاقات التعاقدية و هو ما عتمده القضاء المغربي في العديد من القرارات التي يحتكم فيها لمبدأ سوء النية في تنفيذ العقود من أجل التصريح بعدم صحة طلب المعني بالأمر. فقد جاء من قرار صادر عن المجلس الأعلى سابقا محكمة النقض حاليا بتاريخ 10 دجنبر 1969 ما يلي: "...و حيث أن قضاة الاستئناف أمكنهم من هذه الملاحظات التي تثبت تنفيذ للالتزامات التعاقدية أن يستنتجوا سوء نية و التصريح بعدم صحة تعرضه، معتبرين بيعا صحيحا، من باع من حقوقه في نصف المدعي فيه بتاريخ 6 فبراير 1951 ل المتوفي (...)، مما يجعل الوسيلة غير مرتكزة على أساس لهذه الأسباب (و منهم هذا السبب الأخير) قضى المجلس برفض طلب النقض و على صاحبه بالصائر...". و تضمن قرار آخر صادر عن ذات المجلس بتاريخ 1 دجنبر 1988، من بين حيثياته ما يلي: "و حيث يعيب الطاعن على القرار انعدام التعليل ذلك أن المشرع حدد في الفصل 574 من ق.ل.ع سوء نية البائع في احتياله ليلحق بالمبيع عيوبا أو إخفائه تلك العيوب، و الرجوع إلى الملف يتبين أن الطالب أثبت سوء نية المطلوبين إلا أن محكمة الاستئناف صرحت بكون سوء النية لم تثبت. حقا تبين صحة ما عابه الطالب على القرار ذلك أنه أدلى بوثائق تدين تصرف المطلوبين اللذين أجابا أو لا بإنكار كل علاقة معه م تمسكا بالتقادم بعد أن تثبت العلاقة، و من هذا المنطلق برزت سوء نيتهما إلا أن القرار ذهب إلى عكس ذلك دون إبراز ما اعتمد عليه فجاء معرضا للنقض لانعدام التعليل" إلى عكس ذلك دون إبراز ما اعتمد عليه فجاء معرضا للنقض لانعدام التعليل". و نود الإشارة إلى أن اعتماد مبدأ سوء النية كصورة من صور مبدأ حسن النية قد يتعارض مع فكرة التعسف في استعمال الحق و الذي يعتبر سوء النية أو قصد الإضرار أحد صورها كما عبر عن ذلك المشرع المغربي من خلال الفصل 94 من ق.ل.ع بقوله: "لا محل للمسؤولية إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحق في فعله. و يقول أحد الباحثين "يستفاد من النص عن طريق مفهوم المخالفة أنه تثبت المسؤولية في حالة ما إذا استعمل الشخص حقه بقصد الإضرار بغيره" . و هو ما يبدو جليا قصد الإضرار من خلال القرارين السابق الإشارة إليهما و الذي اعتمد فيهما المجلس الأعلى على سوء نية المتعرض في القرار الأول للحكم رفض طلب النقض و سوء نية البائع في القرار الثاني للحكم بنقض القرار. نستخلص مما سبق بأن فكرة حسن النية تستقل بذاتها عن باقي الصور التي قد تشابهها كما هو الوضع بالنسبة لفكرة سوء النية و لذلك يمكن أن نقول مع بعض الأساتذة بأن حسن النية في تنفيذ العقود يتطلب بالضرورة الصدق و الإخلاص و الاستقامة من طرف المتعاقدين معا سواء كان دائنا أو مدنيا . كما يتطلب أيضا أن يلتزم المتعاقدان لا بما صرحا به في العقد بل أيضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعة الالتزام العقدي . المبحث الثاني: دور حسن النية في الحد من مبدأ القوة الملزمة للعقد يتطلب المشرع المغربي و نظيره الفرنسي تنفيذ العقد بحسن نية، و هو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب بل بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعته. و بناءا عليه فأعمال بدأ حسن النية يقتضي التقيد من طرف المتعاقدين بمجموعة من الالتزامات و التي من شأنها أن تعتبر تقييدا لمبدأ القوة الملزمة للعقد. و تطبيقا لما سبق يقتضي مبدأ حسن النية: - تنفيذ الالتزامات التعاقدية مراعيا الاستقامة و الإخلاص و الصدق، فالبائع الملتزم في عقد البيع بنقل البضاعة من مكان إلى مكان مع تحمل مصاريف النقل من طرف المشتري، تتطلب منه أن تكون العملية بأقل تكلفة، و كما يقول أحد الباحثين "يجب على المدين أن لا يلزم الدائن بنفقات زائدة و التي ليست في مصلحته أثناء تنفيذه للالتزام (فمثلا أن يرسل مع تحمل المصاريف من طرف الدائن؛ بضاعة ثقيلة عن طريق الجو باستعمال الطائرة في حين أنه تم الحديث فيما بين المتعاقدين عن النقل البحري أو البري و لو لم يكن هذين الأخيرين محل افتراض"، و في إطار عقد الشغل من أجل أداء عمل معين، يجب على الأجير أن لا يتباطأ في شغله، بغية إطالة مدته، لاستحقاق أجرة أزيد و يخلص في ذلك باعتماد المعرفة التي يتوفر عليها و في عقد التأمين اعتبر القضاء الفرنسي أن المؤمن ملزم بمراعاة قواعد الصدق عندما يتعلق الأمر بأداء مبلغ الضمان للمؤمن له، و يتحمل المسؤولية العقدية عندما يتماطل من أجل الإعفاء من الأداء بسبب التقادم . - تنفيذ الالتزامات التعاقدية بالتعاون ما بين أطراف العقد ففي عق البيع حسب الفصل 537 من ق.ل.ع إذا وجهت على المشتري دعوى، بسبب الشيء المبيع، وجب عليه أن يعلم البائع بدعوى الاستحقاق. و حسب الفصل 243 من ق.ل.ع في فقرته الثانية يجب على الدائن أن يقبل منح المدين آجالا للوفاء بالتزامه أو ما يسمى بنظر الميسرة . و ذلك حتى تتحسن أحواله و لا يجعل الالتزام مرهقا و أشد كلفة على المدين. و في هذا الشـــأن قضت المحكمـــة الابتدائية بالربـــاط في حكــم صـــادر عنها بتاريخ 22-10-2008 "... و حيث أن العقد ينفذ وفق ما اشتمل و بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية و شرف التعامل و قواعد الإنصاف و يترتب على ذلك الكف عن أي عمل من شأنه جعل تنفيذ الالتزام مرهقا و أشد كلفة على المدين، بل أن مبدأ حسن النية تنشأ التزام على الدائن بوجوب التعاون مع صاحبه في الوفاء بالالتزام الملقى على عاتقه و ليسأل عقديا عن ذلك. وحيث أن الدائن لم يراعي قواعد حسن النية التي تلزمه وفق الفصل 231 من ق.ل.ع بل عمد إلى تجاهلها و المطالبة بكل الأقساط غير مؤداة و المتأخرة بدون سبب من طرف المدين المدين و تعدى ذلك إلى ممارسة مسطرة تحقيق الرهن المثقل به عقار المدين. و حيث أن الضرر ركن لقيام المسؤولية العقدية و شرط لازم لها، و أن المدعي تضرر من خطأ المدعى عليها، و أن التعويض يستحق بسبب عدم الوفاء بالالتزام يجبر الضرر الحاصل للدائن، و أن المحكمة أخذت بعين الاعتبار درجة الخطأ و الضرر المباشر الذي يعدان نتيجة طبيعية للإخلال و تحدد التعويض المعسر". - تنفيذ الالتزامات التي تعتبر من ملحقات العقد حسب ما يقرره القانون أو العرف أو الإنصاف؛ فالقانون يقرر في الفصل 517 من ق.ل.ع أن عقد البيع الذي يكون محله قطعة أرضية يشمل ما يوجد فيها من مباني و أشجار؛ كما يشمل المزروعات التي لم تنبت و الثمار لم تعقد. كما يقرر في الفصل 518 بأن بيع البناء يشمل الأرض التي أقيم عليها، كما يشمل ملحقاته المتصلة به اتصال قرار كالأبواب و النوافذ و المفاتيح التي تعتبر جزءا متمما للأقفال. و يشمل كذلك كل الأرضية و الأدراج و الخزائن المثبتة فيه و أنابيب المياه و المواقد المثبتة بجدرانه. و في الفصل 523 نص المشرع على أن بيع الحيوان يشمل؛ صغيره الذي يرضعه؛ الصوف أو الوبر أو الشعر المتهئ للجر. و في الفصل 524 بيع الأشجار يشمل الأرض القائمة عليها، كما يشمل، ثمارها التي لم تعقد. فالعرف إذا كان يقضي اعتبار مياه سقي الأراضي الزراعية تابعة للأرض، فإن بيع الأرض يشمل الحق في المياه التي تسقي الأرض المبيعة . و لقد اعتبر القضاء الفرنسي في قرار صادر بتاريخ 17-6-1997 بأن للقاضي سلطة تقديرية في حالة وجود عرف مهني من بين المصحات و الأطباء يقضي بضرورة توجيه إنذار لسنتين في حالة الفسخ. كما قضى في قرار آخر صادر بتاريخ 9-1-2001 بأن وفقا لعرف ثابت و مستقر ما بين التجار الثمن يحسب بدون ضريبة إلا في حالة وجود اتفاق مخالف . و قواعد الإنصاف تقضي أن يضمن الناقل في عقد النقل بإيصال المسافر من مكان الانطلاق إلى مكان الوصول سالما و معافى، كما تقتضي قواعد العدالة في عقد الشغل أن يتحمل المشغل النفقات التي ينفقها الأجير و التي يحتاجها للقيام بالمهام المنوطة به؛ كما هو الوضع بالنسبة للملابس العمل و أدوات الإشتغال. خلاصة: نستنتج مما سبق بأن المشرع المغربي و كذا نظيره الفرنسي كان وفيا لمبدأ سلطان الإرادة الذي تفرغ عنه مبدأ العقد شريعة المتعاقدين المنصوص عليه في الفصل 230 من ق.ل.ع والمادة 1134 من ق.م فرنسي و الذي يقتضي أن يلتزم المتعاقدين بما تضمنه العقد من بنود و إلا ترتب عن ذلك المسؤولية العقدية تحقيقا للمصالح الخاصة للأطراف و هذا لا يتوافق دائما مع المصلحة العامة التي تقتضي حماية المصالح العليا للمجتمع و التي تعلو عن المصلحة الذاتية للفرد أو الأفراد داخل المجتمع و لذلك كان لابد من تقرير نوع من السلوكات و الأخلاق الحميدة من طرف الجماعة استحضار مبدأ الصدق و النزاهة و الاستقامة و التعاون وفقا لما يقتضيه مبدأ حسن النية في العقود. و في الأخير نود الإشارة إلى أن المشرع المغربي و الفرنسي و إن كانا قد أسسا لقاعدة مهمة القوة الملزمة للعقد إلا أن هذه القوة نسبية فقط ما دام أن مفهوم النظام العام و الآداب العامة ومبدأ حسن النية قد يقيدا القاعدة أحيانا و قد يستبعداها أحيانا أخرى. و هذا ما يمكن أن يعطي القوة أكثر و الثبات أكثر لمبدأ القوة الملزمة للعقد ليساير التغيرات الاقتصادية و الاجتماعية التي يمكن أن تحدث و ذلك باعتماد مفهوم النظام العام و حسن النية في تنفيذ العقود.